فهرس الكتاب

الصفحة 23950 من 27345

أين تجدون مليون شخص أو مليونين يأتون من كل بلد في الدنيا إلى بقعة مقفرة خالية ما فيها ماء ، وليس فيها شجرة خضراء ، فإذا وصلوا قيل لهم: مكانكم ! قفوا لا تدخلوا حتى تخلعوا ثيابكم كلها . وبالثياب يتفاوت الناس ، وبالثياب تتكون شخصياتهم ، ولولا الثياب ما كانت هيبة رجل الدين وسطوة رجل الجيش ، في نظر العامة ، ولا امتاز غني عن فقير ، فإذا خلعوها اختلطت الطبقات كلها حتى صارت طبقة واحدة هي طبقة الحجاج ، لا نقول هنا للأمير: يا سمو الأمير ولا للمدير: يا سعادة المدير ، ولا نخاطب العظيم بخطاب التعظيم ، فما ها هنا أمير ولا مدير ، ولا غني ولا فقير ، ولا كبير ولا صغير ، ما هنا إلا حجاج . فتقول لكل من تراه غدًا هنا: يا ( حاج ) ولا يغضب من قولك بل يسر به ويراه أبلغ التكريم.

فأروني موقفًا آخر عرفه البشر من أقدم الزمان إلى الآن يزول معه التفاوت بينهم في الثياب وفي البيوت وفي الألقاب ؟ قد يأتي إلى المشاهد الدولية والمعارض العامة وحفلات المباريات وكثير من المناسبات ، قد يأتي أعداد البشر تعدل أو تزيد على أعداد الحجاج في بعض السنين . ولكنهم يأتون ومعهم دنياهم ، تفرق بينهم ، ثيابهم تفرق بينهم ، مساكنهم: هذا نزل في ( موتيل ) على الطريق ، وذاك في أفخم فندق في المدينة ، وهذا يزاحم ويقف في الصف ليصل إلى ما يبتغي ، وذاك يسبق أو يتأخر ليخلوا له الطريق . وهنا ( في الحج ) نظام عام ، قانون شامل ، كلهم يقفون في موقف محدد ، في وقت محدد ، ويعملون العمل المحدد . جميعهم يقف في عرفات ، ويمر من مزدلفة ، ويطوف ويرمي ، ولا ميزة لأحد على أحد .كانت لقريش ( أي الحمس ) امتيازات جعلوها لأنفسهم ، فلا يقفون خارج الحرم ، ولا يخرجون من مزدلفة ، حتى تشرق الشمس على جبل ثبير ، فجاء الإسلام فقرر إلغاء هذه الامتيازات ، وإزالة هذه الفوارق ، وأصدر قانونه الإلهي ( أمر الله ) ( وأفيضوا من حيث أفاض الناس ) لا ميزة لأحد على أحد ، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم حج كما يحج الناس بل حج الناس كما حج ، لما قال: ( خذوا عني مناسككم ) . علمهم أحكام الحج ، وحج معهم أو حجوا معه ، كما علمهم أحكام الصلاة ثم صلى أمامهم . وقال: ( صلوا كما رأيتموني اصلي ) . كان أعظم معلم يعلّم تعليمًا نظريًا وتعليمًا عمليًا .

لو كان يجوز أن يحضر هذا الموقف غير المسلم لاقترحت على الأمم المتحدة أن توفد من يدّعي المساواة ومحاربة العنصرية والتمييز بين الناس ، ليرى هذا المشهد الذي لم تبصر عين الشمس مثيلًا له !.

مشهد متفرد ما رأى أحد ولن يرى مثله من هنا أعلن محمد صلى الله عليه وسلم حقوق الإنسان قبل أن تعلنها الثورة الفرنسية بأكثر من ألف عام .

أعلنها عملًا سبق القول ، وأعلنوها قولًا ما بعده عمل . لما وقف في حجة الوداع في أكبر جمع إسلامي كان على عهده صلى الله عليه وسلم ، فقرر حصانة الدماء والأموال والأعراض وحرمة التعدي عليها ، وان الناس سواء: ربهم واحد وأبوهم واحد ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) ، فلا يتكبر متكبر ولا يَستَعلِ مستعل ، فما خلق الله واحدًا من التبر وواحدًا من الطين ، بل الكل من التراب وإلى التراب ، ثم إلى موقف الحساب ، ثم إلى الثواب أو العقاب ، ألغى شرف النسب والمال والجاه الموروث ، فالكريم هو الكريم بمزاياه بأعماله ، لا بأهله ولا بآله ، ولا بثروته ولا بماله: ( إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) .

أرأيتم الضال في الصحراء يمشي وحيدًا حائرًا قد هده الجوع وبرّح به العطش ، والشمس تتلظى أشعتها نارًا والرمال تتسعر جمرًا ، ثم وجد الواحة الخضراء فيها الظل والماء ، وفيها النخيل المحمل بالتمر ، وفيها الحياة وفيها النعيم .؟ . هذا مثال الحج في هذه الأيام التي فسدت فيها الأرض كلها أو جلها وضل أكثر أهلها طريق الفلاح . أرأيتم السجين في الحبس المغلق ، الفاسد الهواء ، الكريه الرائحة ، الذي يخنق من يكون فيه حتى لا يدع له نفسًا يطلع أو ينزل ، ثم تفتح له نافذة على الروض المزهر يهب منها النسيم ، رقيقًا ناعشًا ، يحمل معه العطر والزهر .؟.هذا مثال نفحات الحرم في هذه الأيام التي زكمت فيها الأنوف وخنقت القلوب روائح الإلحاد والفساد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت