ليست هذه أول مرة يُطْرح للعالم الإسلامي مصطلحات نابعة من أطماع وروح عدوانيّة. ففي عهد الخلافة العثمانية كانت تسمى قضية العالم الإسلامي"بالمسألة الشرقية"، تسمية طلعت من أطماع روسيا وأوروبا ومؤامراتهم الممتدة. ثمّ سُمِّيتْ المنطقة في العصر الحديث"الشرق الأوسط"تسميةٌ نابعة من أطماعٍ وشهواتٍ وعدوانٍ، وشاعت هذه التسمية حتى اليوم، وحتى جاء الرئيس بوش ليوسع المصطلح، ويُضيف عليه كلمة"الكبير"، إمعانًا في الدلالة على العالم الإسلامي كلّه.
مهما تعدّدت التسميات فالأرض واحدة، والميدان واحد، والأطماع واحدة، والعدوان الظالم واحد ممتدٌّ مع التاريخ، يُمحّص الله من خلاله عباده.
إنه لأمر عجيب أن يظنَّ بوش أنَّ العالم كله غافل لا يعي، ينسى التاريخ القريب والبعيد. يدّعي"بوش"أنه يريد أن ينشر الديمقراطية وزُخرف الحرية المزعومة. لقد ادعى هذا عند قراره غزو العراق. وهذه هي ساحة العراق شاهدة على ما قدم من تدمير وقتل وفتن لا تكاد تنتهي، وظلم تجاوز كلّ الحدود. وبالرجوع إلى تاريخ الديمقراطية الأمريكية في مختلف أنحاء العالم ابتداء من أمريكا اللاتينية ومختلف أقطارها، إلى أفريقيا، وإلى آسيا، لا تجد إلا الفواجع والمآسي والتدمير وقتل الإبادة، حتى انتزعت هذه الديمقراطية كلَّ بسمة على وجه طفل، أو فرحة في قلب أم، أو كرامة في حياة إنسان، وغرست مكانها الدموع والأنين والدماء والأشلاء والإذلال.
أين نجد الديمقراطية؟! أنجدها عندما أدار بوش ظهره وسدّ أذنيه لصيحات الملايين في جميع أنحاء العالم ترفض غزو العراق؟! لقد تولى السلاح الفتاك، سلاح التدمير الشامل إجابة تلك الصيحات حين سحقت كل استغاثة، وأبادت حضارة العراق في أيام معدودات، وتركت الناس دون كهرباء ولا ماء ولا بترول، ومنهم مَنْ أصبح دون مأوى!
أين نجد الديمقراطية؟! هل نجدها في الكذب والإصرار على الكذب فيما يتهمون هذا القطر أو ذاك، وفيما اتهموا العراق بسلاح التدمير الشامل واتخذوا ذلك ذريعة لارتكاب جريمة وحشية في أرض العراق وشعب العراق وعمائر العراق؟! هل الديمقراطية في تاريخها الحديث كله إلا كذب وخداع، وكبر وظلم، وعدوان وطغيان، واستبداد.
هذه هي الديمقراطية التي جعل منها"فوكوياما"نهاية التاريخ! ولو سماها نهاية العدالة والحرية واختفاءهما لكان أقرب إلى الصواب!
الديمقراطية، بغض النظر عن الأصل الوثني للفظة اليونانية، فإنها اليوم نظام ابتدعه كبار المجرمين في النظام الرأسمالي، يمارسون فيه أبرع أسلوب للظلم ليؤمِّنوا لأنفسهم حصاد الأرباح من كلّ نشاط اقتصاديّ ، ويُخدّرون الشعوب بزُخرف كاذب من الحريّة، وبإلقاء الفُتات إليهم، وبنشر الفاحشة والخمور والمخدرات، بتخدير مباشرٍ وغير مباشرٍ. لك أن تبدي رأيك كما تشاء في الجو الديمقراطي، وأما القرار فيُتّخذ في عتمات الكواليس وظلام الزوايا، ويشغلون الناس عن مصالحهم الحيوية بإثارة الفتن بعد الفتن.
إنَّ جرائم الديمقراطية كما نشاهدها على مساحة الكرة الأرضية جرائم ممتدة أوسع امتداد. فلماذا كانت هذه الجرائم؟! إنها شهوة النهب والطمع! إنهم يعبدون مصالحهم من دون الله. ومع كل إعلان للإصلاح أو التغيير، كان بوش وغيره يعلنون أن الإصلاح سيتمُّ لتأمين مصالح أمريكا، والتغيير لتأمين مصالحها، والحروب لتأمين مصالحها، تُعلن ذلك دون أن تُعْلن مرة واحدة عن مصلحة الإنسان، عن مصلحة الشعوب. ولو حدث أن أخطأت وادَّعتْ أنَّها تسعى لمصلحة إنسان أو شعب، فسرعان ما تثبت الأحداث أنَّ ذلك كان زُخرفًا كاذبًا، وخداعًا جليًّا.
والذي يؤلم النفس أن نرى أمريكا تحمل رسالة الديمقراطية بزخرفها الكاذب وممارستها المدمّاة وتسعى كما تدّعي إلى نشرها في العالم، وفي الوقت نفسه نرى الأمة التي اختارها الله لتحمل رسالته إلى الناس كافة، إلى العالمين ممزقة مشتّتة القوى، تخلَّى الكثيرون منها عن حمل هذه الأمانة، تخلَّوا عن نشر دين الله، الإسلام كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، في الأرض كلها، حتى تكون كلمة الله هي العليا. عجبًا كل العجب! أيحمل أُناس الباطل اليوم ويزيّنه شياطين الإنس والجنّ ويزخرفونه ويدعون إليه ويسعون لنشره في العالم كله، ونرى أُناسًا بين أيديهم الحقّ يتخلَّون عن دعوته، وينصرفون إلى الدعوة إلى الديمقراطية والعلمانية؟!