فهرس الكتاب

الصفحة 23371 من 27345

واقع المسلمين اليوم يشكو من نواحٍ متعددة من الخلل ومن تخلّفٍ علميٍّ وصناعيٍّ، لا بدَّ للمسلمين أن يُعالِجوا هذا الواقع الذي أورثنا الهزائم والمذلة والهوان. وإنَّ علاج واقع المسلمين متوافر بأيدي المسلمين، فلسنا بحاجة إلى وصاية أمريكا وغيرها علينا لتدَّعي أنها تريد"الإصلاح"! إنَّ أمريكا خير لها أن تلتفت إلى واقعها فهو بحاجة ماسَّة إلى الإصلاح من جميع جوانبه. إن أمريكا بحاجة ماسَّة إلى الإسلام! ونحن لسنا بحاجة إلى ديمقراطيتها! ليس واقع منطقتنا وحده يحتاج إلى إصلاح، إنَّ واقع البشرية اليوم كلّه يحتاج إلى إصلاح، لإخراجه من ظلمات الفتن والفساد والصدّ عن سبيل الله. إنَّ العالم كلّه بحاجة إلى إصلاح عاجل، وإن أول مجتمع يحتاج إلى الإصلاح أمريكا نفسها، وقد طغى فيها الفساد ولم يستطع الزخرف أن يُخْفيَه.

إذا كنَّا نؤمن بالله حقًا، ونؤمن بأن منهاج الله حق كامل من عند الله، فيجب أن نؤمن أن الله أرحم بعباده من أن يبعث لهم برسالة خاتمة لا تعالج مشكلاتهم ونواحي خللهم. بل لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم للناس جميعًا للعالمين، شفاء ورحمة للمؤمنين. فالعلاج والإصلاح والتطوّر والتقدّمُ، والتجديد وكلّ ما يرجوه المؤمنون من عزّة وسؤدد هو بين أيديهم في الكتاب والسنّة، جعلها الله مصدر كلّ خير للبشرية كلّها.

إنَّ كثيرين من المسلمين الذين ينادون بالديمقراطية ويدعون إليها، يقومون بذلك ظنًّا منهم أنَّ فيها الحريّة والعدالة والمساواة، كما أعلن ذلك داعية مسلم في أحد المؤتمرات. ولو أن رجلًا غيرَ مسلم ادَّعى ذلك لوُجدَ له عذر، أما المسلم فما عذره ؟! فإذا كان الإسلام، دينُ الله، لا يوجد فيه الحريّة والعدالة والمساواة، فلم أنتم مسلمون ؟! وإذا كان الإسلام فيه الحريّة والعدالة والمساواة، كل ذلك رحمة من ربِّ العالمين، فلمَ تُعطون هذا الشرف للديمقراطية زورًا وبهتانًا، وتنزعونه من الإسلام ظلمًا وعدوانًا ؟!

إذا كان المسلمون لا يشعرون بحقيقة الحرية والعدالة والمساواة، فليس ذلك لأن هذه القيم غير موجودة في الإسلام، ولكنه لأننا لم نحسن تطبيق الإسلام. وإذا أساء بعضنا تطبيق الإسلام فما ذلك إلا لخلل في الإيمان وخلل في العلم، ولأخطاء جسيمة يرتكبها المسلمون.

إنَّ ما نلقاه اليوم هو بما كسبت أيدينا، فالله حق لا يظلم أحدًا. ولكنها سنن ربانية ثابتة ماضية في حياة الناس. ولو أخذ المسلمون بهذه السنن الثابتة واتبعوا منهاج الله لكانوا أعزَّ أمّة على الأرض. وحسبُ المسلمين أنَّ لهم من الله قوةً ومددًا ليست لغيرهم إذا صدقوا وآمنوا والتزموا.

ولكننا نحن ظلمنا أنفسنا، وارتكبنا من التنازلات ما وفَّر للأعداء الفرصة لأن يجرؤوا علينا، ويُعلنوا يومًا حربًا على حجاب المرأة المسلمة، ويومًا يدَّعون الإصلاح بنزع الإسلام من الحياة إن استطاعوا، ويومًا بالاحتلال، ويومًا بالفتن بعد الفتن.

إنَّ سبيل الإصلاح واضح ممتدٌّ أمامنا.إنه نابع من منهاج الله إذا التجأنا إلى الله حق اللجوء، وإذا حاسبنا أنفسنا على ميزان منهاج الله، لنعرف أخطاءنا ولنعرف سبيل علاجها.

إن الإصلاح الذي نرجوه، لا ينحصر في تحسين واقعنا المادي. فتحسين الواقع المادي وحده قد تختلف السبل إليه بين أمواج المصالح والأهواء. ولكن الإصلاح الذي نرجوه هو الإصلاح الذي ننجو به من فتنة الدنيا ومن عذاب الآخرة، ولننال القوة والعزة على أساس ذلك. فلهذا الإصلاح سبيل واحد فقط، لا يمكن أن تتعدد السبل له.

لا يملك المسلمون اليوم إلا أن يجهروا بدين الله الحقّ كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، دون أيّ تحريف أو تأويل أو تبديل، ليبلّغوه للناس كافّة، للبشرية كلّها، حتى تكون كلمة الله هي العليا. لا بدَّ أن يوقف المسلمون جريهم اللاهث وراء زخارف كاذبة من مصطلحات الاشتراكية والديمقراطية والعلمانية، وغير ذلك من المصطلحات التي أخذت تتبدّل كما تتبدَّلُ"نماذج"الملابس! لا بدَّ أن يوقف المسلمون مسلسل التنازلات التي طال أمره وأورثنا المذلّة والهوان والصغار. لا بدَّ للمسلمين اليوم أن يربطوا إصلاح الواقع المادّي بإصلاح سبيلهم إلى الدار الآخرة في أيّ تصوّر أو عمل أو موقف، ولا يكونوا كالذين يؤثرون الدنيا على الآخرة:

( الذين يستحبّون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا أولئك في ضلال بعيد ) [ إبراهيم: 3 ]

لا بدَّ أن ينهجوا هذا النهج وأن يبذلوا من أجله البذل الذي يستحقُّه كما أمرهم الله سبحانه وتعالى.

مهما كان الطريق طويلًا، فإنه الطريق الوحيد لبلوغ الإصلاح الذي نرجوه. وإن هذا الإصلاح يبتدئ من أنفسنا، وفي أنفسنا، ثمَّ يمتدُّ إلى ميادين الحياة كلّها، لتصبح ساحة عبادة لله، ووفاء بالأمانة، وقيام بالخلافة، وعمارة للأرض بحضارة الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت