فهرس الكتاب

الصفحة 6711 من 27345

والمراد به: العلم بصدور مناط الأحكام، وهي الأفعال والأقوال، ممن يحكم عليه؛ إذ الميزان هي الأفعال والأقوال. ويقوم هذا العلم على أسس لا بد من سلامتها لسلامة النتيجة، وهي ما يلي:

(1) التأني والتثبت:

والعمدة في ذلك قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] ، قال الحسن: «المؤمن وقَّاف حتى يتبين» ؛ فلا تَحِدْ عن هذا الأصل، خاصة في هذا الزمن الذي تعددت فيه قنوات المعلومة، وكثرت فيها الشائعات، وعم الفسق كثيرها، وطمَّت جهالةُ الحال أكثر نقالها؛ فوجب التثبت، حتى تدل الدلائل والقرائن على صدقها، وإلا ردت (9) ، فإن ثبتت المعلومة بقي معرفة بساط حالها.

(2) معرفة بساط الحال:

وهي معرفة ظروف وملابسات الفعل والقول: ممن صدر؟ ولماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ فلربما أفاد القول أو الفعل بملابساته معنى غير المعنى المجرد عن معرفة الحال. ومن الأمثلة على ذلك كلام الأقران في بعضهم، والتفريق بين حال الإلزام والمناظرة وبين التقرير، والإكراه والاختيار، والعلم والجهل، وهكذا حال تغير الأعراف؛ إلى غير ذلك من العوامل المؤثرة المعتبرة.

(3) الحمل على أحسن المحامل:

قال سعيد بن المسيب: «كتب إليّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أن ضع أخاك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا» (10) . هذا هو منهج الشرع الذي أرشد الله إليه بقوله: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور: 12] ، وقال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ} [الحجرات: 12] ، كل هذا ليعيش المسلمون في وئام ونقاء؛ إذ أغلب الأمور ظنون، والشيطان متربص، والنفوس مجبولة على الضعف.

ب - العلم بحكم الشرع المطابق للواقعة:

فلا بد لكل نازلة من حكم في ساح الشرع متوافر الشروط، سالم من الموانع؛ كالتفسيق، والتبديع، والتكفير، والكفارات، والتوبة، والقضاء، والاستيفاء؛ فإن لاح الحكم للناظر، وإلا فلا يحل له أن يحكم، بل يسأل أهل العلم بعد ذكر الواقعة وافية دون وكس أو شطط.

4 -العدل:

وهو ميزان القسط الذي أمر الله - سبحانه - ـ به. قال - تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] ، وقال: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ} [النحل: 90] ، وللعدل في الحكم على المسلم علائم يجب ألا تُغفَل، منها:

1 -الموازنة بيد الإيجابيات والسلبيات: كما هو ميزان العدل؛ إذ من الظلم المقيت نسف جهود أشخاص وجماعات بأخطاء ما وزنت بإزائها، ولم يرجح بينها، كما قال محمد بن سيرين: «ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما رأيت وتكتم خيره» (1) ؛ فالعبرة بالكثرة، ولا يعني هذا إقرار الخطأ؛ فالخطأ يصوّب وإن عُذِرَ فاعله، كما صوّب النبي - صلى الله عليه وسلم - خطأ الأعرابي الذي بال في المسجد، مع أنه قد عذره ولم يعاقبه، بل أنكر على من همّ بمعاقبته (2) .

2 -ترك المبالغة في الثناء والثلب: بل يُعطَى الحكم حجمه بلا تهويل أو تهوين؛ إذ ربما راج حكم خطل ببريق عبارة، وتحسين إشارة.

3 -جمع النصوص والأحوال: كما هو المنهج المعتمد في أحكام الشرع؛ فرب إطلاق قد قُيّد، أو إجمال قد بُيّن، أو تعميم قد خصص، أو مفهوم قد رده منطوق، أو اعتراه نسخ. وهذا المَعْلَم من أبرز دلائل إنصاف الحاكم.

4 -خطأ الفرد لا ينسب للجماعة: فمن الظلم اطِّراح جهود جماعة وتسفيه رؤاها بخطأ بعض أفرادها؛ إذ الأصل أن الفرد في تصرفه لا يمثل إلا نفسه ما لم يدل الدليل على غيره، «ولأجل هذا لا يصلح أن ننتقد جماعة لخطأ وقع فيه بعض من ينتمي إليها، حتى ولو كان هذا الخطأ صدر عن رئيسها؛ إذ ليست كل أقواله وأفعاله تنسب إلى الجماعة وتتحمل تبعتها، وإن من يعيب جماعة من الجماعات الإسلامية لخطأ بعض أفرادها، فمثله كمثل من يعيب الإسلام جهلًا وظلمًا؛ ألسنا نقول للناس: لا تنظروا إلى الأفراد، ولكن انظروا إلى الإسلام بصفته وحيًا في القرآن والسُّنة، وعندها ستجدونه شرعًا فريدًا» (3) .

هذه خلاصة الشروط، وهي ترجع إلى أصل العلم والعدل. قال شيخ الإسلام: «والكلام في الناس لا بد أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع» (4) .

* المسألة الثالثة: أمور ينبغي مراعاتها في الحكم:

إن استكمل المناظر شروط الحكم، ولاحت له علاماته، بقي عليه أن يجيل نظره في أمور لا غنى عنها لسلامة حكمه، وهي كما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت