فهرس الكتاب

الصفحة 11203 من 27345

وأما النظافة في المأكل فإن الشارع لم يقتصر فيها على النظافة فحسب، بل حرم من الأطعمة، ما يعود على الإنسان بالضرر، كالخنزير والميتة، ولذا سمى الله تعالى كل محرم خبيث في قول تعالى ? وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [الأعراف: 157] . كما أرشد الآكل إلى آداب منها انه لا يترك يده تطيش في الصحفة، كما في حديث عكراش بن ذؤيب من رواية الترمذي،"أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يأكل معه فيخبط بيده في الإناء: يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد".

وأما في الشراب فقد حرم الشارع كذلك ما هو خبيث من الشراب كالخمر والدم، كما أرشد إلى آداب، هي من صميم النظافة، حرصًا على صحة الإنسان، فنهى صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فم الإناء كما هو ثابت عن بن عباس في الصحيحين، ونهى عن التنفس فيه. روى أبو داوؤد عن أبي سعيد الخدري:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة الإناء، وأن ينفخ في الشراب".

وأما النظافة في البدن، فالحديث عنها يطول جدًا وقد انتهى الحث عليها إلى أن جعلها الشارع مفتاحًا للصلاة التي هي رأس العبادات، فكما أن من العبادات ما فيه طهر معنوي كذلك منها ما فيه طهر حسي، فجعل الوضوء شرطًا لصحة الصلاة، كما كاد الشارع أن يوجب السواك لما فيه من الفوائد الجمة، لولا خوف المشقة على أمته، ومع هذا فإنه صلى الله عليه وسلم قد حث كثيرًا وكثيرًا على السواك كما كان يستاك على كل أحواله.

والنظافة في الثياب، حيث المثول بين يدي الله تعالى في بيوته مطلوبة شرعًا، يقول الله تبارك وتعالى: ? يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ? [الأعراف: 31] .وقد فسر بعض العلماء الزينة، بما يتزين به المرء، كما هو المتبادر من مدلول الآية.

وأوجب الشارع كذلك النظافة من البول والغائط، وبين طريقة إزالتهما من القبل والدبر، بالاستجمار أو الاستنجاء، أو بالجمع بينهما، وأن من لم يتنزه عن بوله فقد ارتكب إثمًا ليس باليسير، بل إنه ليعذب على ذلك في قبره. روى في الصحيحين عن ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله -وفي رواية مسلم-لا يستنزه من البول- وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"ثم أخذ جريدة رطبة وشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، قالوا يا رسول الله لم صنعت هذا قال:"لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا".

ومن نظافة البدن أيضًا، أن دعانا صلى الله عليه وسلم إلى الغسل فجعله واجبًا تارة، وحث عليه أخرى مع كونه سنة ورتب عليه أجرًا كبيرًا فهو واجب على الجنب وعلى الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم، وهو قريب من الواجب في يوم الجمعة إلى جانب التزين بأحسن الثياب والتطيب، وكذا الاغتسال ليوم العيد وللإحرام وبعد غسل الميت وغير ذلك.

وأما في النكاح فيقول تبارك وتعالى: ? وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ? [البقرة: 222 ] .

وإذا كان ديننا قد وصل بنا في الحث على النظافة، والتنزه عن الأقذار والأوساخ والخبائث إلى هذا الحد فإنه من حق المسلم أن يكون دائمًا في كل أحواله وشئونه على خير حال، فلا يترك للأوساخ مجالا إلًا وأبعدها عنه، سواء في نفسه أو بيته، أو شارعه، وأن الإنسان لا يهتم بهذا في يوم أو أسبوع، وإنما في كل لحظة من لحظات حياته وفقنا الله تعالى إلى التمسك بكل شعب الإيمان التي أعلاها لا إله الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والسلام.

روى ابن ماجه، عن أيوب، وجابر، وأنس. أن هذه الآية لما نزلت ? فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ? [التوبة: 108] . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور. فما طهوركم؟ قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة؟ ونستنجي بالماء، قال:"فهو ذاك فعليكموه"."

راجعه: عبد الحميد أحمد مرشد.

مسلم، 1/ 93، حديث رقم: 91.

-متفق عليه من حديث أبي هريرة وهو عند البخاري، كتاب اللباس 61 - باب قص الشارب برقم 5550 بـ (د.مصطفى ديب البغا) ج5، وعند مسلم ج1، كتاب الطهارة باب خصال الفطرة رقم 257. وغيرها.

-مسلم ج1 كتاب الإيمان باب تحريم الكبر وبيانه برقم 147.

ـ سنن الترمدذي، 5/123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت