الفرق الرابع: أن الاختلاف قد يكون عن اجتهاد، وعن حسن نية، ويؤجر عليه المخطئ ما دام متحريًا للحق، والمصيب أكثر أجرًا، وقد يحمد المخطئ علي الاجتهاد أيضًا، أما إذا وصل إلي حد الافتراق، فهو مذموم كله. بينما الافتراق لا يكون عن اجتهاد، ولا عن حسن نية، وصاحبة لا يؤجر بل هو مذموم وآثم علي كل حال، ومن هنا فهو لا يكون إلا عن ابتداع، أو عن اتباع هوى، أو تقليد مذموم.
الفرق الخامس: أن الافتراق يتعلق به الوعيد وكله شذوذ وهلكة، أما الاختلاف فليس كذلك مهما بلغ الخلاف بين المسلمين في أمور يسع فيها الاجتهاد، أو يكون صاحب الرأي المخالف له مسوغ، أو يحتمل أن يكون قال الرأي المخالف عن جهل بالدليل ولم تقم عليه الحجة، أو عن إكراه يعذر به قد لا يطلع عليه أحد، أو عن تأول ولا يتبين ذلك إلا بعد إقامة الحجة.
التنبيه علي بعض الأخطاء: وبمناسبة الفرق بين الاختلاف والافتراق لا بد من التنبيه علي بعض الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس في هذا العصر، خاصة الذين يواجهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدعوة إلي الله مع ضعف في العلم، وضعف في الفقه في الدين، أو قلة التجربة، أو انحراف في التصرف، وأخص بعض رواد الحركات الإسلامية المعاصرة. فمن هذه الأخطاء:
الخطأ الأول: إنكار أن يكون في الأمة افتراق: وينبني عليه نزوع بعضهم إلي إنكار حديث الافتراق الذي ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم، وهذا خطأ فادح، وهو بذلك يزعم أنه يريد أن يظهر حسن النية في الأمة، وأن يعامل بالظاهر، ومن هنا يتنكر لحديث الافتراق أو يؤوله، أو يصرف الافتراق إلي فرق خارجة عن الإسلام قطعًا، أو إلي فرق في الأمة هي من غير المسلمين، وهذا خطأ فادح بل هو معارضة صريحة لأخبار النبي صلي الله عليه وسلم، بل الأخبار القاطعة في الكتاب والسنة، تدل علي وقوع الافتراق.
فالأمة فعلًا فيها افتراق وهذا حق، والافتراق من الابتلاء، والحق لا يتبين إلا بضده، والله سبحانه كتب منذ الأزل ألا يبقي علي الحق إلا الأقلون، وعلي هذا فإن الافتراق لا يعد إساءة ظن بالأمة، بل هو أمر واقع لا بد الاعتراف به، ولا بد من تصديق خبر النبي صلي الله عليه وسلم، فيه كما أخبر.
وكون الافتراق يقع في الأمة لا يعني أن الإنسان يسلم بالأمر الواقع، أو يزعم أن المفارقة مشروعة، أو يرضي بأن يفارق، أو لا يتحرى الحق ولا يبحث عن استسلامًا لقدر المفارقة، بل إن وقوع الافتراق هو دافع لكل مسلم بأن يتحرى الحق ويستمسك به، ويعرف الشر ليحذره ويتجنب مسالكه، وليعلم أن الحق لا بد متحدد في نهج النبي صلي الله عليه وسلم، وفي نهج صحابته، ونهج السلف الصالح.
الخطأ الثاني: وهو اعتقاد أن المفارقة مادامت أمرًا واقعًا فهذا يعني أن الأمة تقع فيه برضًا وتسليم: وأنه يشرع للدعاة أن يرضوا بواقع الافتراق ويسلموا به، وأن يقبلوا هذا الضلال دون أن يسعوا لعلاجه، وأنه لا يضر المسلم أن يكون مع أي فريق كان؛ لأن المفارقة أمر واقع، فعلي المسلم أن يذهب مع من يعجبه من أهل الأهواء وأهل الفرق، أو يتعاطف معهم.
وهذه أيضًا دعوى باطلة، بل هي تلبيس علي المسلمين، فلا يجوز أن يكون الخبر عن الاختلاف ذريعة للمفارقة، أو ذريعة للرضا بالبدع، أو ذريعة للرضا بالأهواء والرضا بالخطأ لأن الخبر عن الافتراق في الدين جاء بمعرض النهي والتحذير الشديد، ولقد وصل الأمر عند البعض ممن ينتسبون للدعوة أن يقول ما دام الرسول صلي الله عليه وسلم، أخبر بأن الأمة ستفترق، فإذا لا بد أن نرضي بالبدع ونقرها أمرًا واقعًا، ونرضي بالأهواء ونقرها أمرًا واقعًا، ونسلم للأمر الواقع ولنعرف بأنه لا دين إلا بدخن !!
وهذه دعوى باطلة بل هي من مداخل الشيطان علي الإنسان؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم، حينما أخبر عن الافتراق، أخبر بأنه ستبقي طائفة من هذه الأمة علي الحق، ظاهرة منصورة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ] رواه مسلم. ظاهرة بالحق، تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، وهذه الطائفة تقوم بها الحجة، ويهدي بها من أراد الهدى، ويقتدي بها من أراد الحق والخير والسنة.
فإذًا الحجة لا بد أن تكون قائمة، والحق لا بد أن يظهر، ولا يمكن أن يخفي علي كل ذي بصيرة، ولا علي كل من يريد الحق ويسعى إليها صادقًا، فإنه من يتق الله يجعل له مخرجًا. فمن هنا كان الرضا بالبدع والأهواء علي أنها أمر واقع لا يجوز شرعًا، بل هو تلبيس علي المسلمين، وهو أيضا تحقيق للباطل، وإعراض عن الحق، واتباع لغير سبيل المؤمنين، نسأل الله السلامة.