فهرس الكتاب

الصفحة 4766 من 27345

الخطأ الثالث: خطأ الذين يجعلون من الاختلاف ذريعة للتسرع في وصف المخالفين بالخروج، أو المفارقة، أو المروق من الدين: وما يستتبع ذلك من الاستعجال في الحكم علي المخالفين دون رجوع إلي قواعد الشرع وأصول الحكم، ومناهج أئمة الدين في ذلك، لأن التكفير له ضوابطه وأصوله، حتى مع مرتكبي البدع والأهواء، لأن ترتيب الأحكام عليهم بالكفر، أو بالبراء والبغض والهجر، والتحذير من المخالف مطلقًا، دون التثبت ودون إقامة الحجة لا يجوز، أعني بذلك: أنه لا ينبغي لكل من رأي أي بدعة في شخص أن يصفه بالمفارقة، ولا كل من رأي أمرًا مخالفًا للشرع والدين والسنة أن يصفه بالمفارقة، لأن من الناس من يجهل الأحكام، والجاهل معذور حتي يعلم، ومن الناس من يكون مكرهًا في بيئة، أو في مكان ما، كما يحدث في بعض البلاد الإسلامية التي يكره فيها المسلمون ـ مثلًا ـ علي حق اللحي، أوعلي ترك الجماعة، أو علي التلفظ بالكفر، أو علي ممارسة بعض الأعمال التي لا تجوز شرعًا، ويكرهون علي ذلك، ولو لم يفعلوا لقتلوا، أو عذبوا، أو انتهكت أعراضهم، أو نحو ذلك.

إذًا: فإن عارض الإكراه لا بد أن يرد في ذهن الحاكم علي الناس بأي حكم من الأحكام، وقد يكون فاعل البدع، أو معتقد الضلالة متأولًا، ولم تقم عليه الحجة، فلا بد من إقامة الحجة علي الناس، فقد يري أحد منا إنسانًا يرتكب بدعة من البدع التي عادة إنما يرتكبها أهل الافتراق ـ كبدعة المولد مثلًا ـ فإذا فعلها إنسان عامي جاهل فلا يعني أن يوصف بالابتداع، حتي يبين له الأمر، وتقام علي الحجة، ولا أن يوصف بالافتراق، أو أنه خارج عن الجماعة، أو أنه من الفرق الهالكة بمجرد رؤية بدعة أظهرها حتي تقام عليه الحجة اللهم إلا البدع المكفرة، وليس المقام هنا يتسع للكلام عنها.

بل اتهام الناس بالمفارقة للدين فيما هو دون الأصول من البدع والمخالفات والمحدثات لا يجوز، بل هو من التعجل المذموم، وينبغي علي من رأي شيئًا من ذلك: أن يتثبت، وأن يسأل أهل العمل، ويفترض أن المسلم الذي وقع في ذلك جاهل، أو متأول، أو مقلد يحتاج إلي نصح، وبيان، وإرشاد، وأن يعامل ابتداءً بإشفاق ورفق؛ لأن القصد هدايته لا تجريحه.

الخطأ الرابع: الجهل بما يسع فيه الخلاف وبما لا يسع: أي عدم التفريق عند كثير من المنتسبين للإسلام، بل المنتسبين للدعوة، بين ما هو من أمور الخلاف، وما هو من الأمور التي لا يصح فيها خلاف، وأضرب لذلك أمثلة:

? من الناس من يعد بعض المسائل الخلافية من القطعيات والأصول دون أن يرجع إلي أصول أهل العلم، وإلي أقوالهم، أو دون أن يهتدي بأهل الفقه في الدين، الذين يبصرون في هذه الأمور.

? ومن ذلك: عدم التفريق بين الأمور المكفرة وغير المكفرة.

? عدم التفريق بين البدعيات الكبرى وما دونها، والبدعيات المخرجة من الدين، أو المكفرة وما دونها، فإن بعض الناس إذا عرف بأصل من الأصول التي تكفر، كالقول مثلًا: بأن القرآن مخلوق، طبقه علي كل قائل بهذه المقولة دون الأخذ بأحكام التكفير، وهكذا في بقية المسائل، وعدم التفريق بين الأصل، وبين الحكم علي المعين أمر مخالف لأصول السلف، وأصول أهل السنة والجماعة.

إن أهل السنة والجماعة يفرقون بين الأحكام بالكفر، أو بالفسق، أو بالتبديع علي وجه العموم، وبين الحكم علي المعين، فقد نحكم علي عمل أو شئ ما بأنه كفر، ونحكم علي مقولة ما من المقولات بأنها كفر، وهذا لا يعني أن كل من اعتقد، أو فعل هذا الكفر يكفر، ولا من قال بهذا القول يكفر، هناك كثيرون لا يفرقون في هذه المسائل؛ فيكفرون باللوازم، ويكفرون دون الأخذ بضوابط التكفير، مع أن الكفر لا يجوز إطلاقه حتى يتم التثبت، وبيان الحجة وإقامتها، وبيان الدليل ومعرفة عدم وجود العوارض المانعة من إطلاق التكفير علي المعين، كالجهل وعدم وجود التأول، وهذه المسألة تحتاج إلي مقامات طويلة، إلي مقابلة للأشخاص، وإلي الجلوس إليهم، ونقاشهم ونصيحتهم، أما أن نرتب أحكام الكفر علي كل من ظهرت منه حالة كفر، أو مقولة كفر، أو اعتقاد كفر، فإن هذا لا يجوز إلا في الأمور الكبرى التي تعلم من الدين بالضرورة، كمن أنكر أن يشهد أن لا إله إلا الله، فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره، أو من أنكر أن يشهد أن محمدًا رسول الله، فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره، أو من سب الرسول، صلي الله عليه وسلم، فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره، لكن هناك من أصول الدين ما تخفي دقائقه وتفصيلاته، وألفاظ الاعتقاد به علي العامة، ومن في حكمهم، وكمسائل الصفات، ومسائل القدر، ومسائل الرؤية، والشفاعة، ومسائل الصحابة، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلمها العامة، بل تخفى حتى على بعض من ينتسبون إلي العلم، تخفي عليهم تفاصيله، وربما يتلفظ بعضهم بلفظ كفر وهو لا يشعر، أو وهو لم يتعمد، أو هو لا يدري، أو لم يتمعن العبارة، فهل هذا يحكم بكفره؟ طبعًا لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت