فهرس الكتاب

الصفحة 4767 من 27345

إن من أشد الأخطاء التي يقع فيها كثيرون من الذين يتعرضون للحكم علي الناس، خاصة صغار طلاب العلم والأحداث منهم، الذين لم يتفقهوا في الدين علي أهل العلم، إنما أخذوا العلوم الشرعية عن الكتب والوسائل دون اهتداء، ودون اقتداء، ودون مراعاة للأصول، ولا معرفة بأصول الاستدلال وأصول الأحكام، هؤلاء يقع بعض منهم في هذه المسائل الخطيرة، وهي عدم التفريق بين الأصول، وبين تطبيق الأصول علي الجزئيات والحوادث والنوازل.

فأحكام الكفر والتكفير وأحواله، لا تعني تكفير كل شخص يقول بها، أو يعلمها، أو يعتقدها، وأحكام الولاء والبراء، مثل أحكام التكفير، لا تعني تطبيق هذا الولاء والبراء علي كل من يظهر منه موجبه، حتي يتم التأكد، أقصد بذلك البراء بخاصة، أما الولاء فهو الأصل لكل مسلم، ولا يجوز التوقف والتبين في الولاء إذ الولاء واجب لكل من يظهر منه الإسلام، حتي يظهر ويتأكد ما يخالفه.

المسألة الثالثة: وقوع الافتراق في الأمة:

هل وقع الافتراق هي الأمة؟ وهلي يقع أو لا يقع؟هذه المسألة محسومة بأمور:

أولها: الأخبار المتواترة عن النبي صلي الله عليه وسلم، بوقوع الافتراق في هذه الأمة: ومن ذلك حديث الافتراق: [ تَفَرَّقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً] هذا حديث النبي صلي الله عليه وسلم، مشهور وقد رواه جمع من الصحابة، وخرجه الأئمة العدول، الحفاظ في السنن، كما صححه جمع من أهل العلم، كالترمذي والحاكم، والذهبي، والسيوطي، والشاطبي، وأيضا للحديث طرق حسنة كثيرة جدًا، بمجموعها تصل إلي حد الجزم بصحته.

الثاني: أن النبي صلي الله عليه وسلم، أخبر أن الأمة ستتبع الأمم السابقة: فعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ] قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ: [ فَمَنْ] رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الألفاظ التي تدل علي أن النبي صلي الله عليه وسلم، أخبر علي سبيل التحذير، أن الأمة ستقع في الافتراق حتمًا، وأن هذا أمر واقع تبتلي به هذه الأمة، وليس وقوع الافتراق ذم إلا للمفترقين، وليس هو ذم علي الإسلام، ولا انتقاص، ولا ذم لأهل السنة والجماعة، وأهل الحق، إنما هو ذم للمتفرقين، والمفترقون ليسوا هم أهل السنة والجماعة، بل أهل السنة هم الباقون علي الأصل، وهم الذين أقام بهم الله الحجة علي الناس، إلي قيام الساعة.

الثالث: والنصوص الواردة في القرآن والسنة تتضمن التحذير من اتباع السبل وهي الأهواء والفرق:

من ذلك: قوله تعالي: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [103] { [سورة آل عمران] . وقال تعالي: } وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [46] { [سورة الأنفال] . وقوله تعالي: } وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [105] { [سورة آل عمران] . وقوله تعالي: } وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [153] [سورة الأنعام] . وقد شرح النبي صلي الله عليه وسلم، هذه الآية شرحًا مفصلًا، بأن خط خطًا طويلًا مستقيمًا، ثم خط خطوطًا تتفرع عن هذا الخط وتخرج عنه، فبين صلي الله عليه وسلم أن هذا صراط الله، وهذه السبل هي الجواد التي تخرج عن السبيل الأساسية، وأنه سيكون علي سبل الهلاك دعاة يدعون إلي سبل الشيطان، فمن أطاعهم قذفوه في مهاوي الهلكة.

رابعًا: ونهانا الله سبحانه عن التنازع، فقال: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [46] [سورة الأنفال] .

والتنازع قد وقع في طوائف من هذه الأمة، وافترقت به الفرق.

خامسًا: كذلك توعد سبحانه الذين يخرجون عن سبيل المؤمنين، قالتعالي: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [115] [سورة النساء] .

وسبيل المؤمنين هو سبيل أهل السنة والجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت