سادسًا: كما أن النبي صلي الله عليه وسلم، رتب أحكامًا علي المفارقة بدليل أنها ستقع، فقد حذر من مفارقة الجماعة في مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ] رواه البخاري ومسلم.
سابعًا: وقد أخبر النبي صلي الله عليه وسلم، بالافتراق في الأمة، حين أخبر عن الخوارج، وأنهم سيخرجون عن هذه الأمة، وأنهم يمرقون من الدين، والمروق قد لا يعني الكفر أو الخروج من الملة قطعًا، إنما المروق قد يعني الخروج من أصل الإسلام، أو عن حدوده، أو بعض ذلك، والخروج يكون بالكفر، أو ما دون الكفر، وقد يعني الخروج من أمة الإسلام وهي جماعته، أو من السنة التي عليها أهل السنة وهم أهل الإسلام في الحقيقة.
ثامنًا: والنبي صلي الله عليه وسلم، أمر بقتل المفارق للجماعة، كما مر في الحديث السابق، وهذا تشريع في أمر لا بد حاصل، إذ لا يكون تشريع النبي صلي الله عليه وسلم ترفًا أو افتراضًا.
تاسعًا: كذلك بين النبي صلي الله عليه وسلم، أن من مات مفارقًا للجماعة مات ميتة الجاهلية، وأن الفرقة عذاب وأن الشذوذ هلكة، وغير ذلك من الأمور والمعاني التي تدل علي أن الفرقة واقعة، والتحذير منها لم يكن عبثًا، إنما لأنها ستقع ابتلاء ولا تقع إلا والناس علي بصيرة، يعرفون الحق وهو الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح، والباحثون عن الحق يميزون بين الحق والباطل، فمن اهتدي اهتدى علي بصيرة، ومن ضل بعد ذلك ضل علي علم، نسأل الله العافية من الضلالة.
? وبعد: فإن هذه الأدلة قاطعة علي صحة حدوث الافتراق في الأمة، وأنه من سنن الله التي لا تتبدل، وأن الافتراق كله مذموم، وعلي المسلم أن يعرفه، ويعرف أهله، فيتجنب مواطن الزلل.
المسألة الرابعة: تاريخ الافتراق في الإسلام:
وتاريخ الافتراق مفيد؛ لأن ما حدث في أول الإسلام عبرة، ولا بد من تصحيح المفهوم فيها، وفيما أخطأ فيه كثير من الناس في العصر الحاضر:
أولًا: أول عقائد الافتراق التي ظهرت في الأمة كانت مجرد أفكار وعقائد مغمورة لا تسمع إلا همسًا، وهي العقائد السبئية:'عقائد الشيعة وأصول الخوارج' وهي أول ما سمع الصحابة من عقائد الافتراق وبذور الفرقة بين المسلمين، وقد قال بها شخص غريب الأطوار، اختلف في اسمه، والأشهر أنه عبد الله بن سبأ، فقال بها، وأخذ يوسوس بها بين المسلمين، فاعتنقها كثير من المنافقين، ومن الكائدين الذين كادوا للإسلام، ومن الجهلة وحدثاء السن، ومن الموتورين الذين ظهر الإسلام علي بلادهم، وعلي أديانهم، وقوض ملكهم، فاعتنقوا مقولات ابن سبأ، فسارت بين المسلمين سرًا، حتي ظهرت منها الشيعة والخوارج..هذا بالنسبة لأول العقائد، ومقولات الفرق التي ظهرت بين المسلمين وهي تخالف أصول الإسلام.
أما أول الفرق ظهورًا وافتراقًا عن جماعة المسلمين فهي الخوارج، والخوارج نبتة من نبتات السبئية هذا ورغم ما بين الخوارج والشيعة من بعض الفوارق، إلا أن الأصل واحد، وكلها نشأت عن أحداث الفتنة على عثمان رضي الله عنه.
ثانيا: أمر لا بد من التنبيه عليه: وهو أنه في تاريخ الافتراق لم يحصل من الصحابة افتراق البتة، وما حصل بين الصحابة إنما هو خلافات كانت تنتهي إما بالإجماع، وإما بالخضوع لرأي الجماعة، والالتفاف حول الإمام، هذا ما حصل بين الصحابة، ولم يحصل من صحابي أن كان مفترقًا عن الجماعة، وليس فيهم من قال ببدعة، أو عمل محدثًا في الدين، إن الصحابة وهم الأئمة المقتدى بهم في الدين، لم يحصل من أحد منهم أنه فارق الجماعة أبدًا، ولم يحصل أن أحدًا منهم أيضًا يعد قوله أصلًا في البدع، ولا أصلًا في الافتراق، والذين نسبوا بعض المقولات، أو نسبوا بعض الفرق إلي بعض الصحابة، إنما كذبوا عليهم، وافتروا عليهم أكبر الفرية، فلا صحة لما يقال من أن علي بن أبي طالب هو أصل التشيع، أو أن أبا ذر هو أصل الاشتراكية، أو أن أهل الصفة هم أصل الصوفية، أو أن معاوية هو أصل الجبرية، أو أن أبا الدرداء أصل القدرية، أو أن فلانًا من الصحابة هو أصل كذا من المقولات، أو المحدثات أو البدع أو المواقف الشاذة، بل كل ذلك، إنما هو من الباطل المحض . ثم إن الصحابة قاوموا الافتراق، ولا يظن ظان أن الصحابة غفلوا، أو أنهم جهلوا، أو أنهم لم يتنبهوا لمسائل الافتراق، سواء كانت أفكارًا أو عقائد، أو مواقف أو أعمالًا، بل لقد وقفوا ضد الافتراق أشد الوقوف، وأبلوا في ذلك بلاء حسنًا بحزم وقوة، لكن أمر الله لا بد أن يقع.
المسألة الخامسة: أسباب الافتراق: هناك أسباب كبرى رئيسية، وتكاد تتفق عليها أصول الفرق قديمًا وحديثًا، ألخصها بما يلي: