السبب الأول:كيد الكائدين بأصنافهم من أهل الديانات: كاليهود والنصارى والصابئة والمجوس والدهريين، وكذلك من الموتورين، أي الذين حقدوا علي الإسلام والمسلمين؛ لأن الجهاد قضى علي دولتهم، ومحى عزة أديانهم، وهيمنة سلطانهم من الأرض، كالفرس والروم، فهؤلاء منهم الذين بقوا علي كفرهم، وحقدهم علي المسلمين والدين والإسلام، وآثروا النفاق والزندقة بإعلان الإسلام ظاهرًا فقط، أو البقاء علي دياناتهم مع دفع الجزية حفاظًا علي رقابهم، وإيثارًا للسلامة، للتعايش مع المسلمين، وهؤلاء هم أشد المعاول عملا في الفتك بالمسلمين، والكيد لهم بالأفكار وبث المبادئ والبدع والأهواء بينهم.
السبب الثاني: أهل الأهواء الذين يجدون مصالح شخصية، أو شعوبية، في الافتراق: فكثير من أتباع الفرق نجد أنهم يجدون في الفرق تحقيقًا لمصالح شعبية: إما شهوات، وإما أهواء، وإما أغراض عصبية، أو شعوبية، أو قبلية، أو غيرها، وربما بعضهم يقاتل لهذا الأمر لهوى، أو لعصبية، هذا الصنف هم مادة وقود الفرق، فهم الذين يكثرون أتباع تلك الفرق، ويجتمعون حولهم لتحقيق هذه المصالح، وهذه الفئة موجودة في كل زمان وفي كل مكان، فإنه متي ما ظهر في الناس رأي شاذ، أو بدعة أو صاحب هوى، فإنه يجد من الغوغاء، ومن أصحاب الأهواء، والشهوات والأغراض الشخصية، من يتبعه لتحقيق ذلك، وما أكثرهم في كل زمان.
السبب الثالث: الجهل: والجهل قاسم مشترك يمثل كل الأسباب، لكن الجهل المقصود هنا هو: عدم التفقه في الدين، والجهل بالسنة وأصولها وقواعدها ومناهجها، وليس مجرد عدم تحصيل المعلومات؛ لأن الإنسان قد يكفيه أن يحصل ما يحصن به نفسه، وما يحفظ به دينه، والعكس كذلك قد يوجد من الناس من يعلم الشئ الكثير، وذهنه محشو بالمعلومات، لكنه يجهل بديهيات الأصول والقواعد الشرعية في الدين، فلا يفقه أحكام الخلاف وأحكام الافتراق، وأحكام التعامل مع الآخرين، وهذه مصيبة كبرى أصيب بها كثير من الناس اليوم، وهي أن الواحد منهم توجد لديه معلومات شرعية، أو يكون ممن يتعلمون ويأخذون العلم الشرعي عن مصادر كثيرة، لكن تجده جاهلًا في فقه أحكام الإسلام، وفي الأحكام علي الآخرين، وفي أحكام التعامل مع الناس، وفي أحكام الدعوة، وفي أحكام الأمر المعروف والنهي عن المنكر، فيفسد من حيث لا يشعر، فالجهل مصيبة، والجهل سبب رئيسي لوجود الافتراق، والجهلاء هم مادة الفرق، وهم وقودها.
السبب الرابع: الخلل في منهج تلقي الدين: فيوجد لدي كثير من الناس علم، وقد يطلع علي كثير من الكتب، لكنه يجهل، أو اختل عنده منهج تلقي الدين، لأن تلقي الدين له منهج مأثور منذ عهد النبي صلي الله عليه وسلم، والصحابة، والتابعين، وسلف الأمة، واقتفاه أئمة الهدى إلي يومنا هذا.
وهذا المنهج إنما هو العلم والعمل والاهتداء، والاقتداء والسلوك والتعامل، وهو الإلمام بالقواعد الشرعية، والأصول العامة أكثر من مجرد الإلمام بفرعيات الأحكام، أو بكميات النصوص.
ومن مظاهر هذا الخلل في منهج التلقي التي يتبين بها المقصود:
? أخذ العام عن غير أهله: وأقصد بذلك أن الناس صاروا يأخذون العلم عن كل من دعاهم إلي التعلم، وكل من رفع فوق رأسه راية الدعوة، وقال أنا داعية، جعلوه إمامًا في الدين، وتلقوا عنه، وقد لا يفقه من الدين شيئًا، فلذلك ظهرت في العالم الإسلامي دعوات كبرى، ينضوي تحت لوائها جهلة في بديهيات الدين، فيفتون بغير علم، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ ، وسبب ذلك أنهم وجدوا أتباعًا لهم يأخذون عنهم دون تروٍ، ودون تثبت، ودون منهج صحيح سليم، ولا يتثبتون من حال القادة في كونهم أهل لأخذ الدين، أو التلقي عنهم، ثم إن كثيرًا من الناس تجذبهم العواطف أكثر مما يجذبهم العلم والفقه، وهذا خطأ فادح، بمعني أنه مجرد أن يظهر داعية له شهرة وأثر في ناحية ما، يجعله الناس إمامًا في الدين، حتى لو لم يكن يعلم من السنة والفقه شيئًا، وهذا مصداق قول الرسول صلي الله عليه وسلم: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ] رواه البخاري ومسلم.
ولا ينبغي أن يتصدر الدعوة إلي الله، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا العلماء الأجلاء، الذين يفقهون الدين ويأخذونه عن أصوله، علي منهج سليم صحيح، وإلا فليس كل من حشي ذهنه بالمعلومات والثقافة والأفكار يكون إمامًا في الدين، لأنه قد يوجد من الفسقة بل من الكفرة من يعلم من فرعيات الدين الشيء الكثير، وقد وجد من المستشرقين من يحفظ بعض الكتب الكبيرة في الفقه الإسلامي، بل منهم من يحفظ القرآن، ويحفظ صحيح البخارى، وبعض السنن ونحو ذلك.