فهرس الكتاب

الصفحة 23525 من 27345

ويا نعم ما جاءنا به الفضيل ـ أجزل الله مثوبته ـ من تحديد لمدلول التواضع في نظره ، فالتواضع ـ كما يرى ـ خضوع للحق وانقياد له ، أيًا كان المصدر الذي نطق بهذا الحق .. وإذا كان الكبر على النقيض من التواضع ، فالمتكبر لا يخضع للحق ولا ينقاد له ، فإذا دعي إلى هذا الحق أخذته العزة بالإثم ، أما من يخضع للحق وينقاد له: فذلك هو الإنسان الذي أكرمه الله بخلق التواضع . سئل رحمه الله: ما التواضع ؟ فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له ، ولو سمعته من صبي قبلته منه ، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه .

ومن وصايا الفضيل الجامعة التي تزود بها رجلًا قال له: أوصني (أخف مكانك لا تعرف فتكرم بعملك ، واخزن لسانك إلا من خير، وتعاهد قلبك أن لا يقسو، وهل تدري ما قساوة من أذنب؟)

ألا ترى معي أن لكل فقرة من فقرات هذه الوصية أصلًا من الكتاب أو السنة !! ثم أوليس ذلك دليل أن الرجل أكرم الله مثواه ، يعطي حين يعطي ، والنفس مرتوية من هذا الخير في كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام .

والآن: هذه بعض سمات المؤمن وبعض سمات المنافق يعرضها الفضيل ليعرفها المسلمون ويزنوا العمل والسلوك من خلالها ، قال إبراهيم بن الأشعث سمعت فضيل بن عياض يقول: (المؤمن قليل الكلام كثير العمل ، والمنافق كثير الكلام قليل العمل . كلام المؤمن حكم ، وصمته تفكر، ونظره عبرة ، وعمله بر، وإذا كنت كذا لم تزل في عبادة) .

ألا إنها نعمة الإيمان ، وأعظم بها من نعمة ، وإذا سلم ذلك للمسلم كان له كل ذلك الخير، وكان منه كل ذلك العطاء ، فهو ليله ونهاره ، متقلبه ومثواه ، يسعد بهذا الإيمان ، ويسعد الآخرين .. والمن لله ولرسوله في ذلك"بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين" (2) .

اللهم ارزقنا كمال الإيمان وصدق اليقين ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، ونق قلوبنا من كل وصف يباعدنا عن مرضاتك ومحبتك ، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وأجزل الفضيل بما نصح وذكر وبما علم وعمل . وبما استقام على الطريقة خير الجزاء .

اللهم ثبتنا بقولك الثابت ، وآت أنفسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها ، والحمد لله رب في الأولى والآخرة عليه توكلت وإليه أنيب .

الهوامش:

• حضارة الإسلام السنة 18 العدد 7 رمضان 1397 أيلول 1977 .

(1) هو الفضيل بن عياض بن سعود بن بشر أبو علي التميمي . شيخ الإسلام والإمام القدوة ، أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي رضي الله عنه . وممن روى عنه شيخه سفيان الثوري أجل شيوخه . وترجمته زاخرة بالحديث عن زهادته وعبادته وتأثير مواعظه في القلوب . توفي رحمه الله سنة 178.

(2) من الآية 17 من سورة الحجرات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت