ثالثًا: لم يقبل المسلمون المنطق الأرسطي، ونقدوه من جميع عناصره، وكونوا لهم منطقًا آخر، هو المنطق الاستقرائي، وأهم خصائص المنهج التجريبي الإسلامي: أنه منهج إدراكي أو تأملي، فقد أدرك مفكرو الإسلام تمام الإدراك أنه لا بد من وضع منهج في البحث يخالف المنهج اليوناني، حيث إن هذا المنهج الأخير، إنما هو تعبير عن حضارة مخالفة، وتصور حضاري مختلف، وقد وصل المسلمون إلى فكرة"الخواص"اللازمة لكل ذات، وهي الفكرة التي صبغت المنهج الاستقرائي الحديث بصبغتها الخاصة (وأخذ بها جون استيورت مل وغيره) وأعلن المسلمون أن الإنسان يتوصل إلى القضية الجزئية قبل التوصل إلى القضية الكلية، واختلف قياس المسلمين عن قياس أرسطو، فاعتبر المسلمون القياس: هو قياس الغائب على الشاهد، فوصلوا إلى اليقين، أما قياس أرسطو الذي هو ###68### حركة فكرية ينتقل فيها العقل من حكة كلي إلى أحكام جزئية، فإنه يوصل - فقط - إلى الظن.
رابعًا: احتقر اليونان التجريب والتجربة، وجاء منطق أرسطو أكبر معبر عن روح اليونان، ولذلك رفضه المسلمون إيمانًا بروح الحضارة الإسلامية وروح القرآن الذي دعا إلى وضع منهج ومنطق مختلف في كل خصائصه عن منطق أرسطو وروح الحضارة اليونانية. ومنهج القرآن منهج ينأى عن البحث في الشيء ذاته والبحث في آثاره:"تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا"وكان ذلك العمل الإسلامي هو مصدر التحول العالمي من النظرة المفكرة للدنيا المعزولة عنها المسقطة للإرادة والتكليف القائمة على التشاؤم والانسحاب والعجز إلى نظرة التكليف والإرادة والبناء والعمل.
فالإسلام قد أعطى أوروبا روح التفاؤل والاندفاع نحو العمل والإنشاء والاختراع، وليس المنهج التجريبي وحده.
خامسًا: صحح المسلمون أغلاط أرسطو وجالينوس وأفلاطون في الفلسفة والعلوم والكثير من أخطاء الفلسفة اليونانية، وأبطل صناعة التنجيم وبطلان القول بأن بعض ###69### الكواكب يجلب السعادة، وبعضها يجلب النحس، وقال: إن اليونان أخذوه من غير برهان ولا قياس، وقال الإمام ابن حزم: زعم قوم أن الفلك والنجوم تعقل، وأنها ترى وتسمع، وهي دعوى باطلة بلا برهان، وصحة الحكم أن النجوم لا تعقل أصلا، وأن حركتها أبدًا على رتبة واحدة، لا تتبدل عنها، وهذه صفة الجماد الذي لا اختيار له، والواقع أنه ليس للنجوم تأثير في أعمالنا، ولا لها عقل تدبرنا به، والنجوم أيضًا لا تدل على الحوادث المقبلة.
وأبان علماء المسلمون ضعف نظام بطليموس ونقط القصور فيه، وقد عكف"التباني"على دراسة بطليموس، وحقق مواقع كثير من النجوم، وصحح حركات القمر والكواكب السيارة، وخالف بطليموس في ثبات الأوج الشمسي، وأنكر الغزالي ما قاله فلاسفة اليونان من أن بالسماء حيوانًا وأن له نفسًا، ونقد الأطباء المسلمون طب اليونان، ورفضوا الأخذ ببعض نظرات أبقراط وجالينوس، ومن طريق التجربة والاختبارات الشخصية، ورفض ابن النفيس قبول نظرية جالينوس عن الدور الذي تلعبه الرئتان في نقل الدم من تجويفة القلب الواحدة إلى الأخرى، وأعلن أنها خاطئة.
###70### سادسًا: لقد دعا القرآن إلى العلم، وحث الإسلام على البحث فالتمس المسلمون العلم عند كل من وجد عنده علم، فلما تسلموه لم يخضعهم، وإنما أخضعوه لمفاهيمهم، ودرسوا في دائرة عقيدتهم، وألقوا عليه أضواء التوحيد، وحرروه من زيوف الوثنية والجمود، وفككوه وحللوه واعتبروه مادة منهج العلم من جديد خلقًا آخر مختلفًا كل الاختلاف عن منهج اليونان والقدماء جملة، وأقاموا عليه بناءًا ضخمًا وأضافوا إليه إضافات كثيرة:
أولا: أقام المسلمون المنهج العلمي على قواعد رئيسية لا تخضع للأهواء، ولا للغايات الخاصة، ولا للمطامع، فقرر الإسلام دستور العلم، ودعا إلى عدم الانخداع بالأوهام أو قبول الظن، ولا من يقول بغير دليل، ودعا إلى إعمال العقل، وسؤال أهل الذكر، وحرية النظر وإنكار التقليد.
ثانيًا: اهتموا بنقل المصادر وتحقيقها والإبانة عن أخطائها ومغالطاتها، وتحدثوا عن الملاحظة الحسية، وأكدوا دورها في دراسة الظواهر الطبيعية، وأوصوا بإجراء التجارب العلمية متى تيسر ذلك، وارتفعوا من الدراسة التجريبية للظواهر الجزئية إلى وضع قوانين عامة تفسر هذه الظواهر.
###71### ثالثًا: قرر علماء المسلمين أن العلم معرفة باستدلال، والاستدلال هو انتقال الذهب معلوم (مقدمات) إلى مجهول (نتائج) باستخدام المعلوم في التوصل إلى المجهول، وأشهر أنواعه الاستدلال الاستقرائي الذي يقوم على الملاحظة والتجربة، وهذا هو منهج العلوم الطبيعية والاستدلال الاستنباطي الذي يعتمد على العقل، وهو منهج العلوم الرياضية والفقه.