كما يروى أن أبا ضمضم وهو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصبح قال: اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل , فقال عليه الصلاة والسلام: (من منكم يستطيع أن يكون كأبي ضمضم)
قال ابن القيم في مدارج السالكين بعد هذا الموقف:"وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه"
جاء في تفسير قوله تعالى:"والعافين عن الناس" [16] كما قال القرطبي رحمه الله:(العفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، حيث يجوز للإنسان أن يعفو، وحيث يتجه حقه، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه، واختلف في معنى"عن الناس"، فقال أبو العالية والكلبي والزجاج:"والعافين عن الناس"يريد عن المماليك، قال ابن عطية: وهذا حسن على جهة المثال، إذ هم الخَدَمَة، فهم يذنبون كثيرًا، والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسِّر به.
وقال زيد بن أسلم:"والعافين عن الناس"عن ظلمهم وإساءتهم، وهذا عام، وهو ظاهر الآية) .
نماذج حسنة لمعاملة بعض الأخيار لخدمهم:
كانت معاملة سيد الخلق رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، لمن يخدمه معاملة الوالد الشفوق لولده، والأخ الرحيم لأخيه، لا يميز بين رقيق وأجير ومتطوع، ما جعل زيد بن حارثة رضي الله عنه يفضله على والديه وعشيرته.
زيد بن حارثة عربي من بني كلب أسِرَ وهو طفل في الجاهلية، وبيع بمكة، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بها، ثم تبناه بعدُ، وكان يُدْعى زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى:"ادعوهم لآبائهم"الذي أبطل التبني.
قال ابن عبد البر رحمه الله:(قال أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده:
بكيتُ على زيد ولم أدر ما فعلْ أحَيٌّ يُرْجَّى أم دونه أتى الأجلْ
فوالله لا أدري وإن كنتُ سائلًا أغالك سَهْلُ الأرض أم غالك الجبلْ
فيا ليت شعري هل لك الدَّهْرُ رجعة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجَلْ
تذكرنيه الشمسُ عند طلوعها وتعرضُ ذكراه إذا قارب الطَّفَلْ
وإن هبت الأرواحُ هيجن ذكره فيا طول حزني عليه ويا وَجَلْ
سأعمِلُ نَصَّ العيس في الأرض جاهدًا ولا أسأمُ التطواف أو تسأم الإبلْ
حياتي أو تأتي عليَّ منيتي وكل امرئ فانٍ وإن غرَّه الأجلْ
سأوصي به عمرًا وقيسًا كليهما وأوصي يزيدَ ثم من بعده جَبَلْ
فحج ناس من كلب، فرأوا زيدًا فعرفهم وعرفوه، فقال لهم: أبلغوا عني أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا عليَّ؛ فقال:
أحن إلى قومي وإن كنتُ نائيًا فإني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرض نَصَّ الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة كرام معدٍّ كابرًا بعد كابر
فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه، فقال: ابني وَرَبَّ الكعبة؛ ووصفوا له موضعه، وعند من هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه، وقدما مكة، فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد؛ فدخلا عليه، فقال: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه؛ قال: ومن هو؟ قالوا: زيد بن حارثة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا غير ذلك! قالوا: وما هو؟ قال: أدعوه فأخيِّره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا؛ قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت؛ فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم؛ قال: من هذا؟ قال: هذا أبي وهذا عمي؛ قال: فأنا من قد علمتَ ورأيتَ صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما؛ قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم؛ فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وعلى أهل بيتك! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا؛ فلما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحِجْر، فقال: يا من حضر، اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه؛ فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما فانصرفا).
* عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا، قالت أم سليم رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا غلامي أنس يخدمك؛ فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمره آنذاك عشر سنين، فخدم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فقال:"خدمتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ما قال لي لشيء فعلتُه لم فعلتَه، ولا لشيء تركتُه لم تركته".
* ومن النماذج الطيبة، والصور الحسنة، والمواقف النادرة، معاملة الخليفة الراشد والإمام العادل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لخدمه ومماليكه، هذا على الرغم من شدة عمر في الحق وهيبة الناس له، يوضح ذلك ما حكاه عنه مولاه أسلم رحمه الله.