فهرس الكتاب

الصفحة 22226 من 27345

قال الحافظ الذهبي في ترجمة أسلم: (وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال ابن عمر: يا أبا خالد، إني أرى أمير المؤمنين يلزمك لزومًا لا يلزمه أحدًا من أصحابك، لا يخرج سفرًا إلا وأنت معه، فأخبرني عنه؛ قال: لم يكن أولى القوم بالظل، وكان يرحِّل رواحلنا، ويرحل رحله وحده، ولقد فزعنا ذات ليلة وقد رحَّل رحالنا وهو يرحل رحله ويرتجز:

لا يأخذ الليلُ عليك بالهم وألبسن له القميص واعتم

وكن شريك نافع وأسلم واخدم الأقوام حتى تُخدم

* كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يُلبس خادمه ويُطعمه ويُسكنه من نفس ما يلبس ويطعم ويسكن، وذلك لأن مناسبة حديث:"إخوانكم خولكم"كانت خاصة به.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وفيه قصة أن المعرور بن سويد رأى أبا ذر وعليه حُلَّة وعلى غلامه مثلها، فسأله عن ذلك، فذكر أنه سابَّ رجلًا فعيره بأمه، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية - أي خلق من أخلاقهم، فذكره) .

العفو عند المقدرة.. فضيلة الفضائل

العفو هو الصفح عن الذنوب وترك مجازاة المسيء وقال أبو حامد الغزالي: أن يستحق حقا فيسقطه ويبري عنه من قصاص أو غرامه، وهو غير الحلم وكظم الغيظ.

والعفو، من أسماء الله تعالى ومعناه كثير العفو.. قال ابن جرير في قوله تعالى: "إن الله كان عفوًا غفورًا" إن الله لم يزل عفوا عن ذنوب عباده وترك العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به.

وقد ورد هذا الاسم في القرآن خمس مرات، ومن آثار الإيمان به:

أن الله سبحانه هو العفو الذي له العفو الشامل ولاسيما إذا أتى العباد بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة، فالله يقبل التوبة ويعفو عن السيئات. ولولا كمال عفوه وسعة حلمه سبحانه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا عين تطرف "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى".

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم".

وقال ابن القيم:

وهو العفو فعفوه وسع الورى لولاه غارت الأرض بالسكان

أنه تعالى عفو غفور مع قدرته على خلقه وقهره لهم وقد نبه خلقه إلى ذلك: "إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا" أي فاعفوا أنتم أيضا عن الناس، كما أن الله يعفو عنكم ويغفر لكم.

وقد حث الله تعالى عباده على العفو والصفح وقبول الأعذار فمن ذلك: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم".. وقد خاطب الله نبيه بذلك وحثه على قبول العفو فقال: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين".

ومدح بذلك عباده المؤمنين "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس".

نبل وسماحة

العفو عند المقدرة من الفضائل الكريمة التي تدل على نبل صاحبها وسماحته، وعلى أصالة معدنه وطيب سجاياه، وهذا الخلق الكريم لا يبدأ من فراغ وإنما ينبع من القلوب الطاهرة النقية التي جبلت على الكرم والإحسان، ولنا في الرسول صلوات الله وسلامه عليه أسوة حسنة في هذا المضمار، فبعد أن فتح الله عليه مكة وأصبح الذين آذوه بالأمس واضطهدوه ومكروا به وأخرجوه، أصبحوا في قبضة يده، وفي وسعه وقدرته، أن ينزل بهم من العقاب ما يشاء إلا أنه واجههم بنفسه السمحة وبعفوه الشامل، فقال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وبالعفو والإحسان، يتحول الكاره إلى محب، والعدو إلى صديق، فكما أن للعفو أثره في نفس من يعفو حيث يعينه على التقوى، وعلى راحة الضمير، وسكينة النفس فإن له كذلك أثرًا بالغًا فيمن يعفو الإنسان عنه، إنه يستشعر خطأه، وإساءته، ويرى كيف قوبل خطؤه بالعفو والإحسان فيثوب إلى الرشد والصواب، وتنطفئ من داخله الكراهية وتذوب النزعة العدوانية ولا يملك إلا أن يكون مع أخيه كأنه ولي حميم، قال الله تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم".

*لقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في العفو والتسامح، فتحول أمام إنسانيته الكريمة العدو إلى محب، روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء كنت أذكر الله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله أحب إليّ منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت