فهرس الكتاب

الصفحة 22227 من 27345

هكذا يكون أثر العفو وحب الخير، في إصلاح النفس الإنسانية وتقويمها وبنائها وفيما رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيات ويرفع الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك، وتصل من قطفك".

ومن أروع مواقف العفو لرسول الله صلى الله عليه وسلم موقفه مع هذا الأعرابي الكافر الذي دنا منه وهو نائم ورفع السيف فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل: من يمنعك؟ فقال: يمنعني الله منك فارتعد الأعرابي وسقط السيف منه، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم السيف وقال: ومن يمنعك منى؟ فقال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم وخلى سبيله فأتى أصحابه وقال: "جئتكم من عند خير الناس".

ومرة أخرى ظهر إيمان يوسف الصديق حين تمكن من إخوته لأبيه أولئك الذين أرادوا أن يقتلوه ليخلو لهم وجه أبيهم. ثم ألقوه في غيابة الجب، ثم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، وعرضوه للذل والعبودية.

لقد جاءوا مصر من فلسطين يطلبون المدد والزاد، وقدر يوسف على الانتقام منهم، ولكنه عفا وغفر وأماط يوسف اللثام عن شخصيته بعدما لمس من إخوته هذا الهوان، وقال لهم في نبرة هزت قلوبهم، وأحيت الخامد من مشاعرهم:"هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون"؟ (89) "قالوا أإنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي قد منَّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" (90) .

"قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين. قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" (91-92) .

إن الكبير لا يحقد، وهو بعد انتصاره يزداد سماحة وتواضعا لله، ثم قال يوسف لإخوته:"اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا وأتوني بأهلكم أجمعين" (93) .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خير الناس ذو القلب المخموم واللسان الصادق , قيل ما القلب المحموم ؟ قال هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد , قيل فمن على أثره ؟ _قال الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة , قيل فمن على أثره ؟ قال مؤمن في خلق حسن ) رواه بن ماجة.

وقد وعد الله سبحانه بالفضل العظيم من وقى شح نفسه , وشح النفس ليس مقصورا على الشيء المادي كالمال والأكل والإنفاق بل يتعداه إلى الشيء المعنوي مثل العفو والسماحة وسلامة الصدر ونقاوته من الحقد والضعينة والكراهية للخلق دون مبرر { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } (الحشر 9) وسلامة الصدر خصلة عظيمة يغفل عن معرفة فضلها كثير من المسلمين ويجهلونها مع أنه من أسباب دخول الجنة . عن أنس ين مالك رضي الله عنه قال كنا جلوسا يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة ) قال فطلع علينا رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه علق نعليه في يده الشمال فسلم فلما كان من الغد قال عليه الصلاة والسلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل على مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث قال النبي عليه الصلاة والسلام مثل مقالته الأولى فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى فلما قام الرسول عليه الصلاة والسلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني حتى تمضي الثلاث قال نعم . قال أنس فكان عبد الله يحدث أنه بات عنده ثلاث ليال لم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار من الليل لا يقول إلا خيرًا فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أحقر عمله قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فلم أرك تعمل كثير عمل , فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجذ في نفسي على أحد من المسلمين غشا ولا أحسده على خير أعطاه الله تبارك وتعالى قال عبد الله هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق ) رواه أحمد بسند صحيح.

ولقد ضرب سلف هذه الأمة أروع الأمثلة في سلامة الصدور ونظافتها من الأحقاد والحسد والضغينة فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم آذاه قومه بجميع الأنواع من ضرب وطرد وإهانة وسخرية فيأتيه ملك الجبال فيقول يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت , إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ( وهي جبال عالية محيطة بمكة ) فماذا يقول عليه الصلاة والسلام: ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) رواه البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت