فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وممن تنبه لهذا الأمر واستنبط أغراضًا أخرى للالتفات ابن جني في كتابه: (المحتسب) , ففي تعليقه على قراءة الحسن لقوله تعالى: ?وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّه? [ البقرة: 281] , بياء مضمومة (يُرجعون) يقول:"إنه ترك الخطاب إلى الغيبة, كقوله تعالى: ?حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ? [ يونس: 22] , وكأنه-والله أعلم- إنما عدل فيه عن الخطاب إلى الغيبة, فقال: ?يُرْجَعُونَ? بالياء؛ رفقًا من الله سبحانه بصالحي عباده المطيعين لأمره ..."
فصار كأنه قال: (اتقوا أنتم يا مطيعون يومًا يُعذب فيه العاصون) , فالسر البلاغي في هذا الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ترفق الله بالمؤمنين بدلًا من صريح مخاطبتهم في مجال الوعيد والإنذار" (5) ."
ويقول الإمام النسفي عن الالتفات عند تفسيره لقوله تعالى: ?إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ? [الفاتحة: 5] :"والعرب يستكثرون منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخلَ في القبول عند السامع وأحسنَ تطرية لنشاطه وأملأ لاستلذاذ إصغائه وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة والعلماء النحارير وقليل ما هم" (6) .
وقد ذكر جماعة من علماء البلاغة و المفسرين أغراضًا أخرى كثيرة للالتفات, وسنحاول في الفقرة التالية أن نذكر بعض هذه الأغراض والفوائد؛ ليتجلى للقارئ مدى البلاغة التي اشتمل عليها القرآن الكريم واتساع المعاني فيه.
جاء الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في مواضع كثيرة في القرآن الكريم, وقد تنوعت
أغراضه تنوعًا واسعًا, ومن هذه الأغراض البلاغية للالتفات من الغيبة إلى الخطاب في القرآن الكريم:
1-التهديد والتخويف:
جاء الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في مواطن كثيرة في كتاب الله لغرض التهديد
والتخويف, ومن الأمثلة على ذلك:
قوله تعالى: ?وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ? [التوبة: 3] , ومحل الالتفات هو في قوله تعالى: ?فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ?, ولو لم يلتفت لقال: (فإن يتوبوا) , والغرض من هذا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب هو التهديد والتخويف (7) , ومنهم من يجعل معنى الالتفات هنا الترغيب في التوبة (8) , ولعل الالتفات في قوله?فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ? أليق بمعنى الترغيب في التوبة, والالتفات الثاني في قوله? وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ? أليق بمعنى التهديد.
ومنه قوله تعالى: ?لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ? [النحل: 55] ,والالتفات في قوله (فتمتعوا) من الغيبة إلى الخطاب, ولم يقل: فيتمتعوا, لأجل التهديد والوعيد (9) .
2-التوبيخ والتقريع:
قد يجيء الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في القرآن الكريم وفي طياته التوبيخ والتقريع لبعض من يستحق ذلك, ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
قوله تبارك وتعالى: ?وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُون? [النحل:56] , فالتفت في قوله تعالى: ?لَتُسْأَلُنَّ? من الغيبة إلى الخطاب لكي يواجههم بالتوبيخ والتقريع (10) .
ومنه قوله تعالى: ?وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُون? [الأعراف: 169] , ومحل الالتفات هو في قوله تعالى: ?أَفَلاَ تَعْقِلُون?, فانتقل من الغيبة إلى الخطاب ليكون أوقع في توجيه التوبيخ إليهم مواجهة (11) .
ومن الشواهد على ذلك قوله تعالى: ? وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا? [مريم: 88-89] , فعدل عن الغيبة في (قالوا) إلى الخطاب في (جئتم) , لأن من يزعم اتخاذ الرحمن ولدًا لا شك أنه مفتون في دينه, ويستنكر منه هذا القول الآثم, وينبغي أن يوبخ عليه, وتوبيخ الحاضر أشد نكاية دائمًا من توبيخ الغائب, وهذا سر الالتفات في هذه الآية الكريمة (12) .
3-التشديد على طلب الشيء: