ولما دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة استقبله أهلها استقبالاً رائعاً، أما اليهود والمنافقون فقد اسودت وجوههم، واستبد بهم الخوف والحقد في آن واحد بينما ارتفعت معنويات المسلمين، وعلت شوكتهم على المشركين والمنافقين واليهود، وتسامع العرب في أرجاء الجزيرة بانتصار القلة المؤمنة، على الكثرة الكافرة، فدخلت هيبة الإسلام والمسلمين في قلوبهم، وكان لهذا أثر كبير في إيمان كثير من القبائل ودخولها في معاهدات وأحلاف مع المسلمين، بل ودخول بعضها في الإسلام فيما بعد.
صدى المعركة في مكة وآثارها على المشركين:
قلنا إن معركة بدر انتهت بتغيير موازين القوى الروحية والسياسية والعسكرية والاجتماعية في الجزيرة العربية، وكان أن قفزت سمعة المسلمين العسكرية والقتالية إلى الأوج، فأصبحوا سادة الموقف، ولا سيما في منطقة المدينة وما يحوط بها، وبالمقابل، فإن سمعة قريش الكافرة تدهورت سياسياً وعسكرياً وما عادت لها هيبتها السابقة.
أما أخبار المعركة في مكة، فقد عم الذهول أرجاء مكة آنذاك، فعندما تلقى المشركون النبأ لم يصدقوا الأمر بادئ ذي بدء، حيث كانوا يتهمون ناقلي الأخبار بالجنون، فما كان يخطر ببالهم أن ينتصر المسلمون، وما كانوا يتصورون أن ألف مقاتل يضم خيرة شباب قريش وأمهر قادتها وأشجع زعمائها سوف يولون الأدبار أو يقتلون أو يصابون بما لم يعهدوه من الخسارة والهزيمة، بل الهزيمة النكراء أمام ثلاثمائة مقاتل من المسلمين، وكان أول من وصل من بدر على مكة، الحيسمان بن أياس الخزامي، الذي كان أول الفارين، وقد تجمع حوله الناس يسألونه عن نتيجة المعركة، فأبلغهم خبر الهزيمة التي نزلت بجيش مكة، وبينما كان يعدد لهم بعض أسماء الصرعى من زعماء مكة وقادتها وقف عليه صفوان بن أمية، وهو أحد زعماء المشركين الذين لم يشهدوا بدراً فذهل وانقلب به الوعي، إلا أن كبرياءه وعتوه وعناده وبغضه للمسلمين آنذاك، حاد به عن تصديق الأمر، فعاد يكذب الحيسمان وأخباره، وراح يؤكد لمن حضر من القرشيين أنه مجنون، ورغبة منه في التأكيد الزائد التفت إلى المجتمعين وخاطبهم، اسالوه - يقصد الحيسمان - عني إن كان يعقل، فقال القوم للحيسمان: ما فعل صفوان بن أمية! فقال: هو ذاك جالس في الحجر، وقد ازدادت دهشتهم حين قال لهم: لقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا.
أما هذه الأنباء فقد اختلط الحابل بالنابل في مكة، أسقط في أيدي الزعماء العتاة، الذين علت صيحات التشكيك من أفواههم، وهاج عامة الناس، واختلطت أقوالهم وتحليلاتهم للموقف وما عاد المرء منهم يعرف صوابه لهول الصدمة وعنف الخبر، وقد زاد الأمر تأكيداً عليهم، مجيء ابن سفيان بن الحارث، وهو أحد القادة المشركين الكبار، الذين قادوا المعركة وأداروها، وترأسوا دفة القتال ضد المسلمين في المعركة، فبدأ أقواله بجميع ما أخبرهم به الحيسمان، وأدلهم على هزيمة فرسان الشرك وجيوشه أمام النصر الساحق للمسلمين القلة، وفي حديث الحارث لأبي لهب ما يوضح الموقف على لسان أحد القادة، فقد سأله أبو لهب عن خبر المعركة فأجابه،"والله ما هو إلا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا يقلبوننا كيف شاءوا، وأيم الله - مع ذلك - ما لمت الناس، لقينا رجال بيض على خيل يلقون، من بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء."
وهكذا تأكد خبر الهزيمة، حيث عرف كل بيت في مكة بمصابه، وعرف المقتولين منه، فقامت المناحات، إلا أن زعماء مكة أصدروا أمرًا بأن لا ينوح أحد على قتيل من قتلى هذه المعركة، وطلبوا من جميع الناس التزام الصمت والسكوت مع إظهار الجلد، وقد دفعهم إلى ذلك رغبتهم في عدم شمات المسلمين بهم، والحق أن نتيجة المعركة كانت فاجعة أليمة في مكة، فلم يكد ينجو بيت هناك من مأتم على قتيل، ولقد بلغ المصاب أن بعض الأشراف والزعماء، فقد أكثر من قتيل من أسرته في هذه المعركة التي أشعلها أو جهل بدافع من كبريائه وخيلائه دون أن يكون لها مبرر في نظر كثير من المشركين والقادة، ومن ذلك أن صفوان بن أمية فقد في هذه المعركة أباه، كما فقد أخاه عليًا، أما أبو سفيان فقد فقد ابنه خنظله وأسر ابنه الثاني عمرو، وقد طهت هذه المعركة حياة العتاة الكبار وعلى رأسهم أبو جهل، الذي ما فتئ طيلة حياته يكيد للإسلام والمسلمين فكان بذلك فرعوناً كبيراً يكيد للدعوة وللمسلمين، وعلى الرغم من أن المعركة حطمت رؤوس طواغيت الشرك، إلا أنهم لم يستكينوا، فبعد أن أفاقوا من هول الصدمة، أخذوا يواصلون اجتماعاتهم وينظمون مؤتمراتهم، ويبحثون عن السبل التي تمكنهم من غسل العار الذي حاق بهم، فقد ازدادوا حقداً على رسول الله وازدادوا بغضاً للمسلمين، فكان أن أعنلوا التعبئة العامة لخوض معركة الثأر، ومنعوا كل رجل في مكة من اعتناق الإسلام وحاربوه أشد ما تكون الحرب.
موقف اليهود والمنافقين من المعركة وأثرها عليهم: