فهرس الكتاب

الصفحة 23857 من 27345

يقول أبو يوسف رحمه الله في خراجه: حدثني محمد بن إسحاق قال حدثي من سمع طلحة بن معدان العمري قال:خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه وذكر أبا بكر فاستغفر له ثم قال: «أيها الناس إنه لم يبلغ ذو حق- صلى الله عليه وسلم -ثم صلى على النبي في حقه أن يطاع في معصية الله، وإني لا أجد هذا المال يصلحه إلا خلال ثلاث: أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل، وإنما أنا ومالكم كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا، ولا يعتدي عليه حتى يضع خده على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق، ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها: لكم عليّ لا أجتبي شيئا من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم علي إذا وقع في يدي أن لا يخرج مني إلا في حقه، ولكم عليّ أن أزيد في أعطياتكم وأرزاقكم إن شاء الله وأسد ثغوركم، ولكم عليّ أن لا ألقيكم في المهالك ولا أجمركم في ثغوركم، وقد اقترب منكم زمان قليل الأمناء كثير القراء، قليل الفقهاء كثير الأمل، يعمل فيه أقوام للآخرة يطلبون به دنيا عريضة تأكل دين صاحبها كما تأكل النار الحطب، ألا كل من أدرك ذلك منكم فليتق الله ربه وليصبر، يا أيها ولا يأمركم أن تتخذوا { الناس إن الله عظم حقه فوق حق خلقه، فقال فيما عظم من حقه: ألا وإني لم أبعثكم } الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون أمراء ولا جبارين، ولكن بعثتكم أئمة الهدى يهتدى بكم فأدرّوا على المسلمين حقوقهم ولا تضربوهم فتذلوهم، ولا تحمدوهم فتفتنوهم، ولا تغلقوا الأبواب دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم، ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم، ولا تجهلوا عليهم، وقاتلوا بهم الكفار طاقتهم، فإذا رأيتم بهم كلالة فكفوا عن ذلك، فإن ذلك أبلغ في جهاد عدوكم، أيها الناس إني أشهدكم على أمراء الأمصار، أني لم أبعثهم إلا ليفقهوا الناس في دينهم ويقسموا عليهم فيئهم ويحكموا بينهم، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ» .

هذه هي خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، دستور دولة في سطور معدودات، وهي تقطر بلاغة وفقها وعدلا فلله درّه حاكما وعالما وخطيبا بليغا، ويا لله لمنابر المسلمين اليوم كيف غدّت مناخ أقوام عجم القلب واللسان.

نقول وبالله التوفيق:

1 ـ مجمل خطبته رضي الله عنه تقول بأن عمر الحاكم يريد أن يعرّف الأمّة بحقها عليه وعلى أمرائه وولاته، فها هو يرسم سياسته على الملأ، ويوصي أمراءه أمام الناس، وفي ذلك ضمان لاستقامته واستقامتهم، وتعزيز ثقة الأمة بنفسها، وتجنيبها الخنوع والاستكانة والاستخذاء والجهل، وتفعيل لدورها في القوامة على الحاكم، ألا تراه يقول: «ولكم علي أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها، لكم علي كذا ولكم علي كذا وكذا...» ولا نراه توانى في تبصير الأمة بحقها في محاسبته إن قصر أو خالف، فلا يسعه إلا أن يقول: «فخذوني بها» .

2 ـ يبصر رضي الله عنه الناس بالأساس الذي يقوم عليه في رعايته شؤونهم، والذي بلزومه يستحق طاعتهم فيجعله مقدمة خطبته إذ يقول: «أيها الناس إنه لم يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله» ... فسبحان الله ما أبلغه في التذكير بحقه من الطاعة ومتى يستحقها على الأمة، فكأني به يريد أن يقول: أطيعوني ما التزمت كتاب الله وسنة رسوله في رعاية شؤونكم، ولم يغفل رضي الله عنه أن يذكرهم بالحكم بما أنزل الله مرة أخرى في سياق خطبته، ولكن بأسلوب آخر يكتفي فيه بذكر الآية الكريمة، قال تعالى: { ?ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ? فالحكم } بما أنزل الله من أعظم حقوق الله على عباده، فلا يُتخذ الله ربا إلا بالتزام أوامره ونواهيه وتحكيم شرعه، ولا يخفى عليكم الفرق بين مدلول الألوهية والربوبية، فاقتضى المقام ذكر هذه الآية.

3 ـ يحدد عمر الأسس التي تقوم عليها سياسته المالية، ولا يقصد بالمال هنا النقد بل كل ما يتمول به منقولًا أو غير منقول، ولا يخفي ما للمال من أهمية في الحكم إذ هو أحد ركائز رعاية الشؤون، يقول عمر: «وإني لا أجد هذا المال يصلحه إلا خلال ثلاث: أن يؤخذ بالحق ويعطى بالحق. ويمنع من الباطل»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت