وفي التصوير الجيد الذي عرضه الكاتب يبين أن عيسى عليه السلام بُعث حيًا ، وأنه حضر هذه المحاكمة ، وأنه رأى فأنكر ما رأى ، واحتج ، وكانت النتيجة أن جُرجر ليقدم إلى محاكم التفتيش ، إله المسيحيين ، حامل الإنجيل . فما نراه اليوم نسخة مهذبة عن اليهودية التي كانت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما نراه اليوم من النصرانية فنسخة مهذبة أيضًا عن خرافات نصرانية وأباطيلها التي كانت حين تنزلت هذه الآيات . وأي معنى لرسالة إلهية تسوي بين الله ومخلوقاته ؟ وأي معنى لرسالة إلهية تمنح بشرًا من الناس بلا سند وبلا الحجة ولا منطق وبلا دعم من الواقع الحق في أن يكون للناس إلهًا يأمر فيطاع ، ويشرع فينتهى إلى شرعه . والله جلّ وعلا أبان بواضح القول في القرآن الكريم أن الأنبياء لا يأمرون الناس أن يتخذوهم أربابًا من دون الله ، وكيف ؟ أيأمرونكم بالكفر بعد أن أصبحوا مسلمين ؟ كذلك ففي الرقعة ما كان عند العرب مما يؤذي النفس ويؤذي المشاعر ويهين العقل الإنساني ، من هذه الصمنية الغليظة الكثيفة التي كان العرب عندها لاطئين لا يتزكون . في وجه هذا لا بد أن تكون البداية وعلى نحو مكرور وموصول في مناسبات لا تنقطع أن ي،ضرب على وتر التوحيد ، فالناس قبل أن يصححوا مكانهم عبيد لله جلّ وعلا لا ينازعونه الخلق والأمر ، ولا يجاذبونه أطراف التشريع والحكم بين الناس ، وقبل أن يصححوا معتقدهم بالله ، ربًا واحدًا أحدًا لا شريك له ، ولا نديد ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ، وليس به عجز يدعوه إلى أن يستظهر على أمر الكون بالشركاء وبالأنداد ، الناس قبل أن يصححوا هذا المفهوم الجوهري حريون بأن يضربوا في تيه له بداية ولكن ليست له نهاية بحال من الأحوال .
من أجل ذلك نسمع هنا وفي مواطن متفرقات من كتاب الله تعالى ، منه الذي مر علينا من قبل فقرأناه واستمعنا له ، وأخذنا منه ما يسر الله أن نأخذ من عبرة ، ومنه ما سيأتي بعد ، نركز على هذه القضية ، قضية التوحيد ، قضية التنزيه ، لو رجعنا مرة أخرى ولا يمكن أن نملّ الرجوع لذلك الواقع الأليم المهين ، الذي كان في الجاهلية ، لأن القرآن برمته ، ولأن الإسلام كله ، ردّ على ذلك الواقع على اعتباره يصور خلاصة ما تحلّب عبر القرون من مفاسد الجنس البشري ، بحيث أصبحت الجاهلية الأولى تعكس أبشع أن ما يصل إليه الإنسان في كدحه غير المبارك نحو المفاسد والسوآت ، وجاء القرآن ردًا على كل هذا يجتث من الجذور كل ما يمكن أن يطرأ على المسار الإنساني في مقبلات الزمان ، مما يؤثر على استقامة السير واعتدال السلوك .
لو رجعنا هناك وتساءلنا: فيما هذا الإصرار الغريب ؟ الإصرار المتكرر على قضية التوحيد ؟ لجاءنا الجواب بفضل تأمل: العرب في جاهليتها ـ وهذا من صنع الله طبعًا ـ كانت قبائلها تتصل بالروم وتتصل بالحبشة وتتصل بفارس في إيلافها وتجارتها ، وقبائل من قبائل العرب وأفراد من أفراد العرب تأثروا على مرّ الأزمان بما رأوا وبما سمعوا ، ولكنك حري بأن تنتبه إلى قضية جوهرية ، إن تأثر القبائل العربية البادية ، أي التي ترحل وتنزل ، بما شهدت من مآثر الروم ومآثر فارس ، وبما عرفت من عقائد اليهودية والنصرانية والمجوسية وما أشبه ذلك ، تأثرًا عامي ، وأؤكد أنه عامي وساذج ، ساذج للغاية ، كيف تتصور لو أن بدويًا من أعماق الصحراء ذهب الآن إلى إحدى عواصم الدنيا المتقدمة ، فرأى منها ما رأى ، وعاش فيها يومًا أو أيامًا ، أية صورة يمكن أن تنعكس لهذه العاصمة ولسكان هذه العاصمة في عقل هذا العربي أو البدوي الذي لم يكن قبلُ يعرف شيئًا عن المدنية ؟ لا شك أنها صورة باهتة وخارجية وسطحية تمامًا ، ثم هي صورة مضللة ، قد يرى بعض الظواهر التي تطفو على السطح ، لكنه لا يحسن ولا يطيق أن يسبر غور الأعماق التي تقوم عليها حياة الناس في العاصمة التي يزورها . فهو خليق إذا حدثك عنها أن يعطيك صورة مضللة للغاية ، وأن يعطيك عنها أفكارًا منحرفة جدًا ، فكذلك إن العرب لم ينزل بينهم دين عيسى ، ولم ينزل عليهم دين موسى ، ولكنهم رأوا وسمعوا عن هذه الدينين في تجاراتهم وانتجاعاتهم ورحلاتهم ، فلما رأوا استقر في أذهانهم ما استقر ، وبالفعل اعتنق ناس منهم اليهودية ، واعتنق ناس منهم النصرانية ، وتأثر بعض منهم بعقائد الفرس ، ولكن كما قال عمر رضوان الله تعالى عليه: إن العرب لم يعرفوا من النصرانية إلا شرب الخمور وأكل لحم الخنزير ، أما ما وراء العقائد من ثقافات وما هنالك من تيارات عملت على تكوين هذه العقائد ، بالشكل الذي تكونت عليه ، فهذا شيء لم يعرفه العرب ، هذا واحد .