والشيء الأهم من هذا بأن الذين تأثروا بالنصرانية واليهودية والمجوسية هم القبائل التي كانت تسكن على أطراف الجزيرة العربية ، والجزيرة العربية ليست جغرافيتها في السابق كما هي عليها اليوم ، الجزيرة العربية تمتد حتى تصل أبواب دمشق ، وتنفرج حتى تصل قريبًا من بغداد أو ما هو بعد بغداد ، وجزيرة العرب في الماضي واسعة لأنها مجمل الصحراء التي تفصل بين الرومان وبين الحبشة وبين الفرس .
النصرانية واليهودية والمجوسية كانت في الأطراف ، وحين نزل القرآن لم يكن يتوجه بالخطاب أساسًا إلى هؤلاء ، لكنه كان يتوجه إلى الجمهور الذي يصابحه ويماسيه ، إلى الناس الذين تنطبع حياتهم الدينية بطابع الوثنية ، إلى أناس آخرين وُجدوا كما يوجدون في كل أنحاء الدنيا ، في زمان وفي مكان ، هؤلاء الذين يصابون بآفة العقلية شبيهة في كثير من الوجوه بآفات الجسمية التي تصيب الإنسان ، هؤلاء الذين يقال عنهم الدهريون ، الذين يُنكرون أن وراء الحس شيئًا ، وأن وراء الدنيا آخرة ، وأن وراء الوجود موجدًا وخالقًا ، مكابرين بذلك شهادة الحس ودليل العقل وهداية الفطرة .
هؤلاء أيضًا كانوا موجودين ، كانوا يقولون ( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) أرأيت هذا النبات تنصب قطرات المطر عليه وهو جنين في بطن الأرض ، فتتمخّض البذور عن نبتة تبسق شيئًا فشيئًا ، حتى إذا آتت أُكلها وقذفت للناس ثمارها المطلوبة منها والمرجوة منها صوّحتها حرارة الصيف واقتلعتها أعاصير الخريف . كذلك الإنسان ينبت كما ينبت النبات ويذهب كما يذهب النبات ، إزاء هذا نتساءل: أبلغت العرب وهم أصحاب الفصاحة واللسن ، وفيهم الأذكياء وفيهم المفكرون وفيهم أصحاب الأناة الطويلة اذين يصبرون على المعاناة ويصبرون على النظر ، فيهم أولئك الذين استطاعوا في السنين المتطاولة أن يرصدوا السماء وأن يرصدوا الأرض ويعرفوا إذا طلع النجم الفلاني أن النوء سيكون كذا ، ويعرفوا حتى إذا شمّوا شيئًا من تراب الأرض أنهم في المكان الفلاني ، قوم هذا مبلغهم في النباهة والذكاء ودقة الملاحظة يبلغ بهم الهوان على أنفسهم وانحطاط العقل إلى الدرجة التي يتصورون معها أن هذا الصنم الذي ينحتونه من الحجر ثم يطوفون به رجالًا ونساء عرايا وكاسين ، هو هذا الإله الذي خلق ، وهو الإله الذي يرزق ، وهو الإله الذي يميت ، كيف نستطيع أن نتصور أن رجلًا مثل عمر بن الخطاب ، ما تزال الدنيا تتعجب أن تنتج جزيرة العرب مثل هذه العبقرية الباذخة ؟ كيف يمكن لنا أن نتصور عمر هذا بعقليته المستنيرة يجيز لنفسه أيها الإخوة أن يصنع لنفسه ذات يوم صنمًا من التمر ، يلصق بعضه على بعض حتى يسويه على صورة البشر أو على أية صورة شاء ، ويسجد لهذا الصنم ، عمر يفعل هذا ، ولكن غرائز الحياة أقوى من عمر وأقوى من كل الناس . ذات يوم يجوع عمر في ذلك المكان الذي يتعرض الناس فيه للجوع ، في كل آناة السنة ، يجوع عمر فلا يجد إلا صنمه هذا فيعدو عليه ويأكله .
هل نستطيع أن نتصور أن السخف وقلة العقل وقصور الإدراك يبلغ من شخص كعمر بن الخطاب أن يعمل صنمًا من طعام ثم يأكل الإله الذي يعبده ؟ ذلك مستحيل . وكيف نتصور أن رجلًا على أريحية عمر بن الجموح رضي الله عنه ، حينما يدخل الإسلام بيوت الأنصار ، وكما سبق أن قلت لكم من قبل فإن العرب درجت على أن يكون لكل قبيلة صنم ، واستكثرت من الأصنام ، فأصبح لكل بيت صنم ، ثم استكثرت فأصبح لكل راكب يسافر من مكان إلى مكان يأخذ معه حجارة من حجارة الحرم إن أمكن ، وإلا فمن أي البقاع شاء ليجعلها له إلهًا يستخيره ويستشيره ويسجد له ويطوف من حوله كطوافه حول بيت الله المعظم . عمرو بن الجموح سيد من سادات الأنصار ، رجل يتمتع بالإدراك الكامل ، له صنم نحته من الخشب في بيته ، يتقرب إليه في الصباح وفي المساء وفيما بين ذلك . حينما دخل الإسلام بيوت الأنصار عدا فتية من الأنصار على بيت عمرو بن الجموح ، فأخذوا الصنم وألقوه في مكان تتجمع فيه القاذورات ، فلما أصبح وافتقد صنمه فلم يجده ، فذهب يفتش عنه ، فوجده في هذا المكان الذي لا يليق بالناس ، ولا يليق بالحيوانات الحية ، فكيف يليق بالآلهة ؟ فأخذه وغسله وطيّبه وأعاده إلى مكانه . وما زال يفعل هذا والفتية المسلمون يفعلون ما فعلوه من قبل ، حتى انتهوا إلى أن ألقوه بين القاذورات بعد أن ربطوا به كلبًا ميتًا ، حين ذلك تفكّر الرجل أن هذا الصنم لو كان إلهًا لدفع عن نفسه ، ولكن عدم قدرته في أن يدفع عن نفسه عدوان العادين يدل على أنه ليس صنمًا .
فالأمة العربية كما يجب أن يستقرّ في أذهاننا ونحن نواجه دراسة علمية لوقائع السيرة وحقائق التاريخ العربي في ذلك الزمان الغابر ، يجب أن لا نتصورها بهذه الدرجة من السذاجة والانحطاط العقلي .