(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) .
ماذا بعد ذلك يقول:
(ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم -لا بأس- سأفسر لكم الكلام- تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) .
ليست مشكلة على الحقيقة مشكلة العجمة التي لفت الأمة مع الأسف وإلا فهذا الكلام حينما كان يقع على قلب العربي وسمعه كان يحركه من أعمق الأعماق ولكنا اليوم نعيش في عُجْمَة لسان وعُجْمَة تفكير وعُجْمَة تصرفات - والله المستعان- ولا تتخذوا أيمانكم دخلًا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون.
هنا ينقطع الكلام على الشريط المسجل - بكل أسف - ونضطر إلى إكمال المعنى الذي أراده الشيخ - رحمه الله تعالى - وذلك من ظلال الشهيد المرحوم سيد قطب عليه من الله الرضوان، حيث يذكر حول الآية ما يلي: فَمَثَلُ من ينقض العهد، مثل امرأة حمقاء ملتاثة، ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها ثم تنقضه؛ وتتركه مرة أخرى قطعًا منكوثة ومحلولة..! وكل جزيئة من جزيئات التشبيه تشي بالتحقير والترذيل والتعجيب، وتشويه الأمر في النفوس، وتقبحه في القلوب، وهو المقصود، وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مثله كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة، الملتاثة العقل، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه..
وكان بعضهم يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول صلى الله عليه وسلم بأن محمدًا ومن معه قلة ضعيفة، بينما قريش كثرة قوية، فنبههم إلى أن هذا ليس مبررًا لأن يتخذوا أقسامهم، غشًا وخديعة، فيتخلوا عنها: (تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) . أي بسبب كون أمة أكثر عددًا من أمة، وطلبًا للمصلحة مع الأمة الأربى.
ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهد تحقيقًا لما يسمى"مصلحة الدولة"فتعقد دولة معاهدة مع دولة أخرى أو مجموعة دول، ثم تنقضها بسبب أن هناك دولة أربى، أو مجموعة دول أربى في الصف الآخر، تحقيقًا"لمصلحة الدولة".. الإسلام لا يقر مثل هذا المبرر، ويجزم بالوفاء بالعهد، وعدم اتخاذ الاَيْمان ذريعة للغش والدخل.. ذلك في مقابل أنه لا يُقِرُ تعاهدًا ولا تعاونًا على غير البر والتقوى... إلى أن يقول السيد الشهيد رحمه الله:
والنص هنا يحذر من مثل هذا المبرر، وينبه إلى أن قيام مثل هذه الحالة (أن تكون أمة هي أربى من أمة) هو ابتلاء لهم ليمتحن إرادتهم ووفاءهم وكرامتهم على أنفسهم، وتحرجهم في نقض العهد الذي أشهدوا الله عليه (إنما يبلوكم به الله) ، ثم يكل أمر الخلافات التي تنشب بين الجماعات والأقوام إلى الله في يوم القيامة للفصل فيه: (وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) .
يمهد بهذا لترضية النفوس بالوفاء بالعهد حتى لمخالفيهم في الرأي والعقيدة (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ولتسألن عما كنتم تعملون) ...
ولو شاء الله لخلق الناس باستعداد واحد، ولكنه خلقهم باستعدادات متفاوتة، نسخًا غير مكررة ولا معادة... فلا يكون الاختلاف في العقيدة سببًا في نقض العهود، فالاختلاف له أسبابه المتعلقة بمشيئة الله، والعهد مكفول مهما اختلفت المعتقدات.. وهذه قمة في نظافة التعامل والسماحة الدينية، لم يحققها في واقع الحياة إلا الإسلام في كل هذا القرآن..
ويخلص السيد الشهيد إلى خلاصة جامعة بقوله:"لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمة، وينظم مجتمعًا، ثم لينشئ عالمًا ويقيم نظامًا؛ جاء دعوة عالمية إنسانية، لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس، إنما العقيدة فيها وحدها الآصرة والرابطة والقومية والعصبية".
انتهى كلام السيد -بَرَدَّ الله مضجعه ورضي عنه-ولعل هذا المعنى الذي فصله في ظلاله، هو الذي أراده الشيخ المفتي في"اللوحة"التي ترسمها الآية الكريمة التي ختم بها الخطبة جزاه الله خيرًا وغفر له.. وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.