فهرس الكتاب

الصفحة 14219 من 27345

وكان الإسكندر الرومي جال في البلدان وأخرب إقليم بابل وأباد الخلق، فمرض بحضرة بابل، فلما أشفى أوصى إلى حكمائه ووزرائه أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلده، حبا للوطن.

ولما افتتح وهرز بن شيرزاد بن بهرام جور اليمن، وقتل ملك الحبشة المتغلب كان على اليمن، قام بها عاملًا لأنو شروان، فبنى نجران اليمن، وهي من أحصن مدن الثغور، فلما أدركته الوفاة أوصى ابنه شيرزاذ أن يحمل إلى أصطخر ناوس أبيه، ففعل به ذلك.

فهؤلاء الملوك الجبابرة الذين لم يعتقدوا اغترابهم نعمة ،ولا غادروا في أسفارهم شهوة، حنوا إلى أوطانهم ولم يؤثروا على تربتهم ومساقط رؤوسهم شيئًا من الأقاليم المستفادة بالغزو والمدن المغتصبة في ملوك الأمم.

غير أنا وإن كنا قد أتينا في الحديث على أخبار الملوك وأقوال الحكماء والفلاسفة ، فإن هنالك من لا بد من الوقوف على أقوالهم وإرهاف السمع لهم، وإعارتهم القلوب والعقول، لأنهم ينابيع يترقرق ماؤها ثم يتسرب إلى القلوب فيملؤها سعادة وهناء. ألا وهم الشعراء.

هذا وإن أدبنا العربي ليزخر بأشعار تصور عمق هذه العاطفة عند الشعراء وتجذرها في نفوسهم.فها هو ذا أحدهم يصف حبه وشوقه لبلده ولأهله مفضلًا ذلك على عظيم النعم ووافر الخير. قائلًا:

ألا يا حبذا وطني وأهلي ** وصحب يحين يدخر الصحاب

وما عسل ببارد ماء مزن ** على ظمأ لصاحبه يشاب

بأشهى من لقائكم إلينا ** فكيف لنابه ومتى الإياب

وها هو ذا حماد بن إسحاق الموصلي يصف حبه لبلاده وعشقه لها قائلًا:

أحب بلاد الله ما بين صارة ** إلى غطفان إذ يصوب سحابها

بلاد بها نيطت علي تمائم ** وأول أرض مس جلدي ترابها

وها هي ذي نائلة بنت الفرافصة تحمل إلى أمير المؤمنين عثمان ابن عفان رضي الله عنه، لكنها تكره فراق أهلها وتتمنى لو أنها كانت من نصيب أحد بني قومها فتخاطب أخاها ضبًا قائلة:

ألست ترى يا ضب أنني ** مرافقة نحو المدينة أركبا

أما كان في أولاد عوف بن مالك ** لك الويل ما يغني الخباء المطنبا

أبى الله إلا أن أكون غريبة ** بيثرب لا أمًا لدي ولا أبا

وما أكثر القصص في هذا الباب ، فمنها أيضًا:

ما روي أن أبان بن دارم تزوج امرأة من كلب ، فنظرت ذات يوم إلى ناقة قد حنت فذكرت بلادها ، وأنشأت تقول:

ألا أيها البكر الأباني إنني ** وإياك في كلب لمغتربان

تحن وأبكي ذا الهوى لصبابة ** وإنا على البلوى لمغتربان

وإن زمانًا أيها البكر ضمني ** وإياك في كلب لشر زمان

ولعلنا نختم بهذه القصة التي وردت في كتاب قصص العرب:

هوى بعض خلفاء بني العباس أعرابية فتزوج بها، فلم يوافقها هوى المدن، فجعلت تعتل وتتأوه، مع ما هي عليه من النعيم والراحة، والأمر والنهي ، فسألها عما بها فأخبرته بما تجد من الشوق إلى البراري وأحاليب الرعاء، وورود المياه، فبنى لها قصرًا على رأس البرية بشاطئ دجلة وأمر بالأغنام أن تسرح بين يديها وتتراءى لها، فلم يزدها ذلك إلا اشتياقًا إلى طنها.

ثم مر بها يومًا في قصرها منحيث لا تشعر بمكانه، فسمعها تنتحب وتبكي ، وارتفع صوتها وعلا نحيبها، ثم قالت:

وما ذنب أعرابية قذفت بها ** صروف النوى من حيث لم تك ظنت

تمنت أحاليب الرعاة وخيمة ** بنجد فلم يقض لها ما تمنت

إذا ذكرت ماء العذيب وطيبه ** وبرد حصاه آخر الليل أنت

لها أنة عند العشاء وأنة ** سحيرًا ولولا أنتها لجنت

فخرج عليها الخليفة وقال: قد قضي ما تمنيت ، فالحقي بأهلك من غير فراق، فما مر عليها وقت أسر من ذلك، وسرى ماء الحياة ف يوجهها من حينها، والتحقت بأهلها بجميع ما كان عندها في قصرها،وظل الخليفة يزورها في أهلها بين الحين والحين.

وقبل أن نختم حديثنا نذكر بأن الأرض التي يحن إليها أولئك القوم لم تكن بأكثر خصبًا ولا أوفر نعمة ، ولكنهم يحبونها مع ما فيها من شدة وضنك وهي عندهم من أخصب الأرض وعيشهم ألذ عيش كما قال أحدهم:

إذ ما أصبنا كل مذيقة ** وخمس تميرات صفا كنائز

فنحن ملوك الأرض خصبًا ونعمة ** ونحن أسود الغاب عند الهزاهز

وكم متمن عيشنا لا يناله ** ولو ناله أضحى به حق فائز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت