لقد تعلم سفيان رحمه الله من مشايخه أن الإنصات لصاحب بدعة مهلكة , وأن الاقتراب منهم مفسدة للقلب والدين ؛ حتى وإن أظهر بعض أهل البدع زهدا وصلاحا , فهذا عمرو بن عبيد ( 7) الذي كان يُضرب به المثل في الزهد والورع والعبادة ؛ كان رأسا من رؤوس المبتدعة فكان قدريا -أي يقول بالقدر- ومن دعاة المعتزلة , حتى غرر بزهده وشدة عبادته أكثر عامة المسلمين في زمانه , حتى كاد سفيان نفسه أن يهلك على يديه لولا عناية الله له , وصرفه عنه من أول الطريق على يد شيخه أيوب السَّخْتِياني .
فعن عبد الواحد بن زيد قال: قال لي أيوب قُل للثوري: لا تصحب عمرو بن عبيد قال: فقلت ذلك له , فقال: إني أجد عنده أشياء لا أجدها عند غيره , فقلت ذلك لأيوب: فقال لي أيوب: من تلك الأشياء أخاف عليه . (8 )
فاستفاد سفيان من ذلك أي استفادة , حتى صقل قلبه وانضبط ميزانه , فكان لا يترك بدعة خفيت أم ظهرت إلا ويعرض بصاحبها ويحذر منه .
وكان رحمه الله يتغير إذا وجد صاحبا له يجالس من تلبس ببدعة أو هوى ويهجره ويبتعد عنه , فهو قد هجر صاحبا له لما رآه جالسا إلى إبراهيم ابن طهمان (9 ) .
فعن عبد العزيز بن أبي عثمان قال: كان رجل من المغاربة يجالس سفيان وكان سفيان يستخفه (10 ) ثم جفاه فشكا ذلك إلينا , قال: فقلت له تكلم فلان ؛ فإنه أجرأ على سفيان , قال: فكلمه , قال: يا أبا عبد الله ! هذا الشيخ المغربي قد كنت تستخفه فما حاله اليوم ؟ فلم يزل به حتى قال سفيان: إنه يجالس ...؟ ولم يسم أحدا ! قال: فقال له: من جالست ؟ قال: جلست يوما إلى إبراهيم بن طهمان في المسجد الحرام , ودخل سفيان من باب المسجد فنظر إليَّ فأنكرت نظرته . ( 11)
وكان عمرو بن عبيد يأتي كهمسا يسلم عليه , ويجلس عنده هو وأصحابه , وكانت أمه سمعت أن أيوب السَّخْتِياني يتكلم فيه , فقالت له أمه: إني أرى هذا وأصحابه وأكرههم , وما يعجبوني فلا تجالسهم , فجاء إليه عمرو وأصحابه , فأشرف عليهم وقال: إن أمي قد كرهتك وأصحابك فلا تأتوني . ( 12)
وعن زائدة قال: قلت لمنصور بن المعتمر: إذا كنت صائما أنال من السلطان شيئا ؟ فقال: لا , فقلت: إذا كنت صائما أنال من أصحاب الأهواء شيئا ؟ قال: نعم . (13 )
أخي الحبيب: اثبت على الطريق ولا تغتر بكثرة الأغمار , ومن يدعوك ليصرفك عن الطريق ويقول لك: هيا معنا ففي يوم أو يومين تصبح من أكبر الدعاة ! فالأمر أعظم من ذلك , فابدأ بالعلم النافع مع تهذيب النفس , وأطرها على العبادة مع إصلاح ما فات من تلف .
قال القاضي عبد الوهَّاب المالكي ( 14) :
مَتَى تَصِلُ العِطُاشُ إِلى ارْتِوَاءٍ
إِذَا اسْتَقَتِ البِحَارُ مِنْ الرَّكَايَا (15 ) ؟!
وَمَنْ يُثْنِي الأَصَاغِرَ عَنْ iiمُرَادٍ
وَقَدْ جَلَسَ الأَكَابِرُ فِي الزَّوَايَا ii؟!
وإِنَّ تَرَفُّعَ الوُضُعَاءِ iiيَوْمَا
عَلَى الرُّفَعَاءِ مِنْ إِحْدَى البَلَايَا
إِذَا اسْتَوَتْ الأَسَافِلُ iiوالأَعَالِي
فَقَدْ طَابَتْ مُنَادَمَةُ iiالْمَنَايَا
قيل: إن شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنه , وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين , فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين , ويقال لي: شجرة ولك شجرة , فقالت لها الصنوبرة: مهلا حتى تهب رياح الخريف فإن ثَبَتِّ لها تم فخرك . (16 )
(1) صحيح مسلم (1/44 نووي ) ، والدارمي في سننه (1/112) .
( 2) قال الحافظ في التقريب (1982) : زائدة بن قدامة: ثقة , صاحب سُنَّة .
(3 ) شعبة ابن الحجاج
( 4) الخطيب"الجامع لأخلاق الراوي" (1/133)
(5 ) رواه أخمد (22403) وهو حديث صحيح
( 6) البخاري (3518)
(7 ) انظر"الميزان"للذهبي (3/6404)
(8 ) أبو نعيم"الحلية" (7/33)
( 9) ثقة رمي بالإرجاء , انظر"الميزان"للذهبي (1/116)
( 10) أي يستريح إليه
(11 ) العقيلي"الضعفاء" (1/56)
( 12) حلية الأولياء (6/212)
( 13) حلية الأولياء (5/42)
( 14) الديباج المذهب (2/28)
(15 ) جمع ركية وهي البئر قليلة الماء
( 16) ابن القيم"بدائع الفوائد" (3/756)