فهرس الكتاب

الصفحة 6904 من 27345

في ظني أن سبب هذا الإهمال، يرجع إلى غياب السؤال عن حكمة الخطاب الأدبي في القرآن الكريم عند فقهائنا، مما أدى إلى إهمال قضية الأدب في فقههم، فأوجد ذلك فراغًا فقهيًا استغله تلاميذ الفلسفة اليونانية في العهد العباسي، وعندما قاموا بتعبئة هذا الفراغ وذلك بترجمته نظريات الشعر عند أفلاطون وأرسطو وهوراس، مما أوجد نقدًا عربيًا على قواعد الذوق الإغريقي، ينحرف بذوق الأمة عن الاستقلال والتميز، فكان هذا السبب في إجهاض الميلاد الحقيقي لنقد عربي إسلامي، يخرج من مرجعية الأمة ومن إنتاجها الإبداعي.

أليس في طرح هذا السؤال الغائب إثارة جديدة لموضوع مهم ينبه دعاة الأدب الإسلامي إلى أهمية دراسة الخطاب الأدبي في القرآن الكريم من جديد، لأنهم سوف يجدون فيه خيرًا كثيرًا لنظرية الأدب الإسلامي، بدلًا من تسكعهم على أبواب النظريات الأدبية العلمانية، التي لم تقدم شيئًا سوى الحيرة والشتات؟ وأظن أن القرآن الكريم يكفي ويكفي ويكفي حتى يجدوا ضالتهم فيه، فالله سبحانه وتعالى يقول:

(ما فرطنا في الكتاب من شيء) .

ليعلموا أن كتاب الله ما فرط في حاجة نحتاجها في دنيانا، ومنها حاجتنا إلى نظرية الأدب، وسوف يجدون التفاصيل في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أدب أصحابه والنتاج الإبداعي للأمة، شريطة أن تتصل العقول بمرجعيتها وهي واثقة بها وتبذل الجهود الكافية لذلك.

ولا يسعني في هذا المجال إلا أن أذكر بجهد رائد قدمه لنا الناقد الإسلامي الكبير محمد الحسناوي في كتابه الرائع (الفاصلة في القرآن) حيث كشف أمورًا كثيرة تخص تطور الشعر والنثر، وكيف تغلغل التأثير القرآني في أساليب الأدباء، كما أنه ناقش فرضيات كثيرة حول تطور الشعر الحديث والموشحات وربط ذلك بتأثير لغة النبأ العظيم عليها، ولذلك نحن بحاجة إلى استمرار جهد الحسناوي وجهد غيره في هذا المجال لاستخراج نظريتنا الأدبية من داخل مرجعياتنا وذاتنا الحضارية المستقلة عن حضارة العقل الشرقي (الصوفي) والعقل الغربي (الفلسفي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت