فهرس الكتاب

الصفحة 7424 من 27345

وقال -صلى الله عليه وسلم-:"هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه" (23) .

وهذا يدل على أن أثر الإقرار باق في حقه إذ لا توبة إلا من زنا، فقوله -صلى الله عليه وسلم-:"لقد تاب توبةً..."دليل على ثبوت الذنب في حقه، ولو كان هربه رجوعًا عن إقراره لارتفع عنه أثره.

رابعًا: قوله -صلى الله عليه وسلم-"هلا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه".

فقوله -صلى الله عليه وسلم-"لعله أن يتوب.."يدل على أن ماعزًا -رضي الله عنه- لم يرجع عن إقراره، وإنما رجع عن طلب إقامة الحد عليه، وأراد أن يتوب بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ولو كان ماعز -رضي الله عنه- قد رجع عن إقراره لقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"هلا تركتموه، لأنه رجع عن إقراره، لكن لم يقله وقال -صلى الله عليه وسلم-"لعله أن يتوب.."مما يدل على أن ماعزًا لم يرجع عن إقراره، وإنما أراد التوبة بينه وبين الله سبحانه وتعالى والرجوع عن طلبه إقامة الحد عليه."

خامسًا: أن ماعزًا -رضي الله عنه- قد جاء تائبًا مقرًا، معترفًا بذنبه، فكيف يرجع عن ذلك، ويكذب نفسه؟!

قال ابن المنذر:

"وليس في شيء من الأخبار أن ماعزًا رجع عما أقر به" (24) .

وقال ابن حزم:

"أما حديث ماعز فلا حجة لهم فيه أصلًا، لأنه ليس فيه أن ماعزًا رجع عن الإقرار البتة، لا بنص، ولا بدليل، ولا فيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن رجع عن إقراره قُبِل رجوعه -أيضًا- البتة". (25)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"وقد قيل في ماعز: إنه رجع عن الإقرار، وهذا أحد القولين فيه، في مذهب أحمد وغيره، وهو ضعيف والأول (26) أجود". (27)

وقال ابن حجر:

"وفي هذا الحديث من الفوائد: منقبة عظيمة لماعز بن مالك، لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه، مع توبته ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره، مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر على الإقرار بما يقتضي إزهاق نفسه على ذلك، وقوي عليه" (28) .

فإن قيل: إذا لم يكن قوله -صلى الله عليه وسلم-:"هلا تركتموه"يدل على رجوعه عن إقراره، فعلى أي شيء يدل؟ (29)

قلنا: الجواب عن ذلك ما يلي:

أن قوله -صلى الله عليه وسلم-:"هلا تركتموه"لا يدل على أن ماعزًا -رضي الله عنه- رجع عن إقراره، وإنما يدل على أحد أمرين:

الأول: وهو أصحهما: أن ماعزًا رجع عن طلب إقامة الحد عليه، فيقبل منه ويترك، لكونه قد جاء تائبًا معترفًا بذنبه، ومن هذه حاله لا تجب إقامة الحد عليه -أصلًا- إلا بطلبه.

وإذا رجع عن طلب إقامة الحد عليه، أو عن إقراره، قُبِل منه ذلك، وإذا لم يَعُدْ بعد رده والإعراض عنه -حين أقر- لم يُطلب، وإذا هرب في أثناء إقامة الحد عليه، ترك ولم يكمل عليه (30) .

والثاني: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أراد الاستثبات منه، والتحقق، فقد يأتي بشبهة حقيقية موجبة للاشتباه (31) .

ويدل لذلك ما جاء عن جابر -رضي الله عنه-.

فإن قيل:

إن قول بريدة -رضي الله عنه-:"كنا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نتحدث (32) يدل على أن ماعزًا لو رجع عن إقراره قبل منه."

قلنا: الجواب عن ذلك ما يلي:

أولًا: أن هذا الحديث ضعيف (33) .

ثانيًا: أن من الصحابة من يرى غير ذلك (34) .

ثالثًا: أن التحدث الواقع بينهم مجرد ظن وحدس (35) .

رابعًا: أن قبول رجوع ماعز والغامدية -لو رجعا- إنما هو لكونهم قد جاءا تائبين معترفين بذنبهما، وهكذا يفعل مع كل مقرٍّ قد جاء تائبًا، بل لا تجب إقامة الحد عليه إلا بطلبه (36) .

الدليل الثاني:

عن أبي أمية المخزومي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتي بلص قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"ما إخالك سرقت"قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع.. الحديث (37) .

وجه الاستدلال:

أن كون الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُعرِّض لهذا الرجل بالرجوع عن إقراره يدل دلالة واضحة على قبول الرجوع عن الإقرار بما يوجب حدًا وإلا لما كان لذلك فائدة (38) .

ويمكن مناقشته بما يلي:

أولًا: بأن هذا الحديث ضعيف (39) .

ثانيًا: بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما عرَّض له بالرجوع من باب الاستثبات (40) .

وذلك أن هذا الرجل قد اعترف بالسرقة، ولم يوجد معه متاع، فيخشى كونه ظن أن السرقة تثبت بكل قليل وكثير. قال الخطابي:

"وجه هذا الحديث عندي -والله أعلم- أنه -صلى الله عليه وسلم- ظنَّ بالمعترف بالسرقة غفلةً، أو أنه ظن أنه لا يعرف معنى السرقة، ولعله قد كان مالًا له، أو اختلسه، أو نحو ذلك مما يخرج من هذا الباب عن معاني السرقة، والمعترف به قد يحسب أن حكم ذلك حكم السرقة، فوافقه، رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستثبت الحكم فيه" (41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت