إن غلبة المفهوم الاحتجاجي قادت إلى فردنة التدين على صعيدي العقيدة والممارسة، وإلى إلغاء الهرمية الدينية بكل قيودها المفهومية والإجرائية، وبذلك أطلقت طاقات الأفراد والجماعات في الإبداع الإنساني والابتداع الديني. وهذا أوجد بدوره واقعا جديدًا يتسم بلا معيارية التدين ولا معيارية الأخلاق. ومن هنا بدأت حركة علمنة الحياة بخروج التدين التقليدي من نطاق الالتزام الشعائري فالعقدي، ثم من نطاق الوعي بالجملة.
هذه هي المفاهيم والخلفيات الحقيقية للتحديث في التجربة الغربية. ولذلك ينبغي التفريق بين مظاهر الحداثة ومضامينها، وبين التمدين والتحديث. إن التمدين، بمعنى الاقتناء السطحي لأدوات الحداثة، قد يمثل في حقيقته اتجاهًا خفيًا لمقاومة التحديث. نرى ذلك في كثير من البلدان النامية: نراه في حركة العمران النشطة، دون اقتفاء لمعايير الثقافة الوطنية المعبرة عن وجدان المجتمع؛ وفي بناء الجامعات الفخمة حديثة المظهر، دون استيعاب جاد للمفاهيم العميقة للحركة العلمية؛ وفي اتخاذ المصانع والمعامل ذات الأبهة، دون اكتساب فعلي لتقاليد النهضة التقنية وسلوكيات العمل والانتاج؛ وفي إنشاء الجيوش المجهزة بكل أداة قتل فاعلة، دون حماية حقيقية للأوطان أو نصرة لقضايا الأمة. بل إن كل تلك الأدوات ربما استخدمت لقمع أي عملية تحديث حقيقية. وههنا مفرق هام بين التحديث والتغريب لأن التحديث الظاهري من غير مضمون هو أقرب طريق للتغريب السطحي وهو علّة أكبر من التغريب الجوهري.
تاريخ المسلمين في التحديث ومفهوم المستقبل والتطور الزمني لديهم
لقد عايش المسلمون في تاريخهم مع التحديث معطيات مختلفة عن تلك التي لازمت التجربة المسيحية الغربية. أولًا، هم لم يجدوا عائقًا عقديًا أو شعائريًا في التعاطي مع مفهومات العلم ومنتجات التقانة. تتضح تلك الحقيقة عند مقارنة كسب المسلمين في مجال العلوم بالصدام الذي جرى بين تصور الكنيسة لنشأة الكون وبين الحقائق العلمية التي استجدت في بدايات القرن السادس عشر. لقد أودى ذلك الصدام بحياة بعض كبار العلماء الغربيين وساهم في وضع بذور الثورة على الكنيسة. من ناحية ثانية، فإن المسلمين لم يشهدوا شيئًا كالحركة الاحتجاجية التي ظهرت في مسيرة المسيحية الغربية بكل الآثار الواسعة لتلك الحركة على الفكر والحياة. بل هم لم يعالجوا أو يعاينوا الآثار الفكرية والتطبيقية للحركة الاحتجاجية إلا من خلال تعاملهم في القرون اللاحقة مع الاستعمار الاستيطاني فالتحديات الفكرية التي خلفها.
لقد تجلت مرونة المسلمين في اقتباس منتجات التقانة بصفة خاصة في العهود الأولى للإسلام. إن الدارس المدقق لمسلك المسلمين في اقتباس أدوات الحضارة والتقانة ابتداءً من أواخر العهد النبوي ليعجب للنتائج التي يتوصل إليها. لقد كان همّ المسلمين في قرنهم الأول نشر الإسلام في وجه مقاومة قريش وبقية العرب الذين لم يسلموا ولم يسالموا، ثم في وجه الحضارتين الفارسية والرومانية. لذلك غلب الطابع العسكري على اقتباسات المسلمين التقنية الأولى. يمكن ملاحظة ذلك إذا قارنا التقنيات العسكرية المستخدمة في معركة بدر بتلك المستخدمة في حصار الطائف في المعركة مع ثقيف. ثم اضطرد ذلك النسق في كل معارك المسلمين التالية حتى فتح الأندلس في عام 93هجرية، حين تميز القواد السياسيون والعسكريون في التلقي الإيجابي لمنتجات التجربة الإنسانية في التقانة العسكرية، وحتى للأساليب المعاصرة لتنظيم المجتمع مثل إنشاء الدواوين. وكل ذلك قد ضرب بسهم وافر في النجاح المدهش الذي ميز صعود الحضارة الإسلامية.
ولقد استمر هذا النهج في القرنين التاليين، لكنه تميز بعد ذلك برغبة أقوى في اقتباس علوم الإنسانية الأخرى وتجاربها. فنشأت، نتيجة لذلك، حركة نشطة للترجمة خاصة في عهد الخليفة المأمون ومن تلاه. ولما بردت في تلك الحقبة النزعة إلى الفتوح بصورتها الأولى، تحول الاهتمام إلى علوم الإنسانية في الأدب والحكمة والتقانة المتعلقة بشئون الحياة العامة. ثم بعد ذلك تجاوزت المجتمعات الإسلامية مرحلة التلقي السالب للعلوم إلى مرحلة المفاعل الحي النشط المطوّر للحركة العلمية وما يستتبعها من التحديث. بعبارة أخرى، في تلك الفترة طفق المسلمون يقودون حركة التحديث في العالم وفق ثقافتهم هم وتصورهم للأشياء وحاجاتهم، تمامًا كما تقودها الحضارة الغربية اليوم وفق تصورها وثقافتها وحاجاتها.