ذلك أن النص هنا يتناول الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... الخ من أهل الكتاب والذين يعيشون في دولة إسلامية. أما الذين يؤمنون باليوم الآخر أي الذين لا يناهضون العقيدة الإسلامية في المجتمع الإسلامي... الخ فإنهم يسددونها على أساس القاعدة التي أوضحها الخليفة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
أجمع الفقهاء على أن من واجب القابض على زمام السلطة أن يقوم بفرض الجزية على أتباع الديانات السماوية المنزلة من غير المسلمين. وهؤلاء يحصلون بالمقابل على حماية المسلمين لأنفسهم وأموالهم.
وقد تبوأ أهل الكتاب في الدولة الإسلامية مراكز قيادية أساسية في السلطة باستثناء القضاء (لأن القضاء في الدولة الإسلامية قضاء شرعي لا يمكن أن يتولاه من لا يؤمن به) . وباستثناء الرئاسة الأولى أو الخلافة (لأن الخليفة والرئيس هو إمام المسلمين، ولا يمكن أن يؤم المسلمين من لا يؤمن بالإسلام) . ولعل من أكثر ما يشد الانتباه هو أنه حتى خلال الحروب الصليبية لم يكن أمين المال عند صلاح الدين الأيوبي مسلمًا، بل كان من أهل الكتاب.
ب ـ البعد الاثني
في الأساس هناك قاعدة إسلامية ثابتة تقوم عليها الوحدة الإسلامية. تتمثل هذه القاعدة في قوله تعالى في سورة الحجرات، الآية 10 (إنما المؤمنون إخوة) . ومن شأن التأكيد على هذه القاعدة الشرعية لتساوي المؤمنين ضمن وحدة الإسلام الدينية والاجتماعية، صهر أشد الشعوب اختلافًا في العرق واللون في أمة واحدة. ولقد كان هذا التوكيد من العوامل الرئيسة التي ضمنت اتساع الإمبراطورية الإسلامية اتساعًا عجيبًا، وصانت قوتها والتحامها على مر القرون. ولما ضعف روح التكامل الخلقي في الإسلام كان الفوز للنزاع الشعوبي وكان فوزًا على حساب سلطان الإسلام. فتجزأت الدولة وتم النصر لأعداء الإسلام.
ولا غرو فإن انحطاط السلطة الزمنية في الدول التي نشأت عن إمبراطورية الإسلام، وما حدث من صولات التوسع والاستعمار الأوروبي أنعش شعور التكافل الإسلامي، فتجلت جميع مناحي التجديد التي ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر في الشرق الأدنى والأوسط بروح إسلامية.
إلا أن الاستعمار استطاع تحت مظلة مبدأ القومية الذي أعلنته فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر وأد هذا التجديد، حتى أنه ليبدو اليوم مجرد أثر بعد عين. إن الإسلام يتوفر على الجامع التوحيدي المشترك بين كل الأثنيات الإسلامية والطوائف غير الإسلامية للأسباب الأساسية الآتية:
أولًاـ إن الإسلام مبني على رفض العنصرية بدليل قوله تعالى في سورة الحجرات، الآية 13: (يا أيها الناس إنَّا خلقناكم م ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .
ثانيًاـ الإسلام مبني على المساواة بين الشعوب المتنوعة وفي ذلك يقول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) : (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) . وهذا ينقض فكرة شعب الله المختار وهي أكثر أفكار التعصب والتميز العنصري حقدًا وكراهية لبقية الشعوب الإنسانية.
لقد عبر الإسلام حدود العروبة إلى أرض حضارات جديدة، وأصبح العرب بعض الإسلام، بعد أن كان الإسلام بعض العرب. وانتشرت العربية مع الإسلام والقرآن، وكان العرب أول من حمل أمانة الإسلام إيمانًا ونشرًا وجهادًا.
والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين على رسول عربي في أم القرى العربية ودار الهجرة وما حولهما. ومن هنا كان الرباط الوثيق والمقدس بين العروبة والإسلام والقرآن.. إن اختيار الزمان والمكان والرسول واللسان أمور تتعلق في الإسلام بإرادة الله، لا بإرادة البشر، والإسلام كما هو كرامة وتكريم فهو مسؤولية وعطاء. والانتساب إلى أمة الإسلام تحكمه ثلاثة أركان تجمعها الآية الكريمة: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله...) (آل عمران:110) والكرامة في الإسلام بالتقوى، والتقوى عقيدة وعمل.
وبالفهم السمح لاختلاف الألسنة والألوان والبيئات والقدرات، وتغير المكان وتعاقب الزمان ومتغيرات الحياة، خرج الإسلام من الجزيرة العربية إلى العالم، أو هكذا ينبغي أن يكون.
ـــــــــــــــــــ
المصدر: موقع الإسلام في صراع الحضارات.