فهرس الكتاب

الصفحة 4100 من 27345

تبع هذه التطورات إبرام عقود وإجراء مصالحات تحمل في مجموعها اسم عقود الذمة، هذه العقود ممهورة بحديث شهير للنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه:"من آذى ذميًا فقد آذاني"، وبحديث شهير آخر يقول فيه:"ألا من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته أو انتقصه أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة". وهذا إلزام لكل مسلم، وهو حق لكل مؤمن من أهل الكتاب على كل مسلم.أرسى الإسلام قاعدتين للتمييز هما:التمييز الديني، والتمييز المكاني.

يتعلق التمييز الديني أولًا بالمسلمين وغير المسلمين. ويتعلق ثانيًا باليهود والنصارى وببقية المجموعات غير الإسلامية.

أما التمييز المكاني فيتعلق بالمناطق التي تخضع لأحكام التشريع الإسلامي، وهي"دار الإسلام"، وتلك التي تخضع لحكم أعداء الإسلام (أي دار الحرب على الإسلام) . في دار الإسلام يحتفظ اليهود كما يحتفظ النصارى بعقيدتهم ويتمتعون بحماية الدولة الإسلامية لهم ولمعابدهم ولتشريعاتهم الدينية الخاصة، هذا التمييز يعني وضع اليهود والنصارى في ذمة المسلمين (الذمة مشتقة من فعل ذمم وليس من ذم) .

هنا لابد من التوقف أمام نقطة على درجة كبيرة من الأهمية وهي التمييز بين الذمة والمعاهدة. فالمعاهدة أو العقد محكوم بزمان ومكان محددين.

أما الذمة فهي عقد أبدي دائم مبرم دون تحديد زمني لمفعوله، وعند موت الموقعين تنتقل موجبات العقد إلى الأبناء"وهذا العقد ليس معاهدة بالمعنى الصحيح ولكنه رابطة لا تنعقد بين دولتين بل بين دولة من جهة ورؤساء مجموعة شعبية من الكتابيين من جهة أخرى. وهذه الرابطة تنشئ واجبات ليس فقط تجاه الدولة الإسلامية ولكن تجاه كل مسلم على حدة وكل ذمي أو كتابي، من هنا يتضح أن لها مفعول القانون لأنه عندما يخالفها الذمي يتحمل وحده نتيجة المخالفة وليس طائفته كلها".

إن أسوأ ما يمكن أن يصل إليه سوء العلاقة بين غير المسلم والحكم الإسلامي هو الخيانة أو التمرد.

في الحالة الأولى: أي الخيانة والتجسس لمصلحة العدو، فإن حكم الإسلام في الذمي الخائن هو الحكم نفسه في المسلم الخائن، أي القتل (العقوبة غير محددة في القرآن الكريم، ولكن قياسًا على سنة النبي(صلى الله عليه وسلم ) ) إن فعل الخيانة من غير المسلم يعتبر خروجًا على عهد الذمة، وفعل الخيانة من المسلم يعتبر خروجًا عن الإسلام.

وفي الحالة الثانية: أي التمرد، فإن حكم الإسلام في تمرد غير المسلم هو أن التمرد لا ينهي عقد الذمة. بل إنه جريمة بحق الدولة يعاقب عليها الذمي بمثل ما يعاقب عليها المسلم. أي أن التمرد يعتبر احتجاجًا على حالة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وليس عدوانًا ضد المجموعة الإسلامية.

هناك قضية أسيء فهمها وأسيء استغلالها طويلًا، وهي قضية العلاقة بين الجزية وحرية المعتقد. لقد مرت عهود (الحاكم بأمر الله الفاطمي 996 ـ1021) كان فيها بعض أهل الكتاب يكرهون على اعتناق الإسلام خلافًا لما تنص عليه الشريعة الإسلامية من أنه لا إكراه في الدين. وهذا التعسف كان متناقضًا للإسلام، وبالتالي فإنه لا يشكل عنوانًا مشرفًا فيسجل على الذين قاموا به.

كذلك مرت عهود أخرى كان فيها بعض أهل الكتاب يحملون على عدم اعتناق الإسلام خوفًا من تضاؤل عائدات الجزية.

فالضرائب التي كان يدفعها أهل الذمة أصبحت بعد الفتح ضرورة حيوية لبيت المال وصار كل نقص يصيب مجموع الضرائب خطرًا تهدد نتائجه استمرارية السلطة وقوة الجيش في نظر الحكام. ومن هنا كان أي نقص في عدد أهل الذمة ـ سواء تم ذلك بسبب الهجرة أو التحول إلى الإسلام عن طريق الإكراه ـ يؤلف بالنسبة إلى خزينة الدول كارثة مالية تهدد الدولة بإفلاس لا يمكن تلافيه.

إن تطبيق مبدأ حرية المعتقد الذي اعتمد منذ بداية الدعوة يبدو شديد الفعالية في هذا المجال لأنه يمنع كل أنواع الإكراه لا سيما التحول إلى الإسلام تحت ضغط العنف والقوة. هذه الضمانة المدعومة بكلام الله عز وجل سوف يلجأ إليها المسؤولون السياسيون من أجل الاستجابة لحاجات الدولة. وكل تقليص أو إلغاء لمفعولها سيكون من شأنه الإضرار بمصالح الخزينة لأنه يؤدي إلى إنقاص أو إزالة موردها الأساسي.

وبين هاتين الظاهرتين الاستثنائيتين لابد من تثبيت القاعدة، وهي تتمثل في تعاليم الخليفة علي بن أبي طالب لعامله في بزرج سابور:

"لا تضربن رجلًا سوطًا في جباية درهم، ولا تبيعن لهم رزقًا، ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها ولا تقيمن رجلًا قائمًا في طلب درهم."

قال: قلت: يا أمير المؤمنين إذًا أرجع إليك كما ذهبت من عندك! قال: وإن رجعت كما ذهبت ويحك إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو يعني الفضل"."

وهذه القاعدة لا تتناقض مع ما ورد في سورة التوبة ـ الآية 29: (قاتلوا الذين لا يؤمنون ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت