الأسلوب الثالث:"مائة لسان خير من لسان واحد"، غموض الموقف يُستخدم سياسيا على نطاق واسع من قبل العديد من القوى السياسية في مختلف الدول ، ويتفوق الشيعة في استخدام تطبيقات خاصة بهم في هذا المجال ، من أبرزها تعدد الوكلاء والمتحدثين والمندوبين الذين يمثلون المرجعيات الدينية ، خذ مثالا على ذلك السيستاني ، هل يعرف أحد كم مندوب أو وكيل أو متحدث يمثله ؟ إنهم كثيرون جدا ، وفي مقدمتهم ابنه محمد رضا ، وهؤلاء تتناقض أقوالهم في كثير من الأحيان ، ومن يبحث عن قول منسوب بصورة مباشرة للسيستاني نفسه فلن يجد إلا أقل القليل ، ومن أمثلة هذا المبدأ المشكلة التي أثيرت حول مشاركة الأمم المتحدة وزيارة الأخضر الإبراهيمي الذي وقع في شرك عميق ، فقد أُعلن بدايةً أن السيستاني يرفض مشاركة الأمم المتحدة ومشاركة الإبراهيمي نفسه لأنه سني ، ثم أعلن الإبراهيمي أن كوفي عنان تلقى رسالة من السيستاني يتراجع فيها عن موقفه ، وهنا توالت التصريحات من عدد من المندوبين والوكلاء والموزعين للتصريحات ، فقد أنكروا أن السيستاني أرسل رسالة ، ثم أنكروا محتواها ، وتبين أنه لا يزال يعترض على الإبراهيمي ، ثم ماذا بعد .. لا تحديد مطلقا للموقف الحقيقي للسيستاني ، وبذلك يمكنه أن ينفي ويثبت في النهاية ما يشاء ..
الأسلوب الرابع:"ابتسم للعدو وكشر عن أنيابك للصديق"وهذه تخص أهل السنة في العراق في المقام الأول ، والشيعة في هذا المقام يطبقون الميكافيلية ربما أفضل من مبتدعها ، ومن يتابع تصريحاتهم وخطابهم المتعلق بالسنة في العراق يجده في مجمله خطابا ناعما ودودا ، ليس فيه دعوة إلى التعصب ، عدا ما يتسرب عن غير قصد إلى الإعلام ، وفي المقابل من يتابع خطابهم المتعلق بالاحتلال الأمريكي يجد نفورا ، ورفضا وإنكارا وانتقادا ، ودعوة إلى طرد الاحتلال من العراق ، وهي أكذب ما يمكن أن يطلقه الشيعة هناك ، فهم آخر من يرغب في رحيل الأمريكيين ، ولنفهم ذلك يمكن أن نفترض أن الاحتلال الأمريكي قد رحل بالفعل عن العراق ، فمن الخاسر والرابح عندها ؟ وبغض النظر عن كونهم مكثوا عقد كامل يحرضون الأمريكيين على غزو العراق ، فإن الخاسر الأكبر من الرحيل المبكر للأمريكيين هم الشيعة ، لأنهم يعجزون تماما عن إقامة دولة مستقلة لهم في بوضعهم الحالي ، ولأن الرفض العربي من حولهم سيتضاعف أكثر وأكثر ، ولأنهم لن يقدروا على مواجهة المد السني الهائل المتوقع لو نشبت حرب أهلية مع سنة العراق ، ولأنهم لن يشعروا بسعادة لو تمكن الأكراد من الاستقلال بنفط الشمل خاصة في كركوك ، ومع هذه الأسباب كلها ، نجدهم يحرصون على انتقاد الاحتلال ربما أكثر من أهل السنة في العراق .. أما أهل السنة ، العدو الحقيقي بالنسبة لهم ، فمن الأمور الراسخة في العقل الجمعي للشيعة أن حكم صدام حسين كان حكما سنيا جبريا طاغيا تعرضوا خلاله لاضطهاد كبير ، فكيف يمكن أن يزول هذا المعتقد بسهولة ويسر كما نرى في التظاهرات الدعائية عديمة القيمة المشتركة مع أهل السنة ؟ إن الشيعة يمارسون نوعا من المناورات السياسية برعوا فيه لحد كبير ، فالسيستاني مثلا يريد أن يميع الأوضاع السياسية في العراق ، لكي يتمكن الشيعة من إحداث التغييرات التي يريدونها في كافة المجالات بتدرج وروية ، ولذلك هم لا يريدون استقرار سريعا على المستوى السياسي إلا لو تم وفق رغباتهم بنسبة مائة في المائة ، وهم يستغلون الرفض الظاهري للاحتلال في ممارسة ضغوط ولو محدودة على الأمريكيين ، ويمارسون أسلوبا هادئا في تصفية الوجود السني وتقليص نفوذه إلى حد كبير ، فيستخدمون مشرط الجراح بالإضافة إلى مسكنات الألم ، فقيادات أهل السنة يتعرضون في بعض المدن مثل البصرة للتصفية والأسر تتعرض للترحيل القسري ، في نفس الوقت الذي يحرص مرجعيات الشيعة على التصريح بوحدة المصير مع أهل السنة .. واللافت للنظر أن هذا الأسلوب يفيد في تجنب استفزاز أهل السنة ويساعد في إضعاف آلية إفراز قيادات جماهيرية لديهم ، نتيجة الخلط الموجود ولتبنيهم خطابا رافضا للاحتلال ، ومعلوم أن المواجهة السافرة تضعف التأثير في الخصم بخلاف المواجهة المستترة ..
وحتى لا نطيل ، لعلنا بما سبق نكون قد أجبنا على التساؤل المطروح في بداية الكلام عن مصداقية المصالحة بين السنة والشيعة ، وهي إجابة بالنفي لا شك ، بل إن التساؤل الذي يجب طرحه بدلا عن ذلك هو: متى يسفر الشيعة عن حقيقتهم في العراق ويعدلون الأوضاع فيبتسموا للصديق ويكشروا أنيابهم في وجه العدو ، أي أهل السنة ؟