فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وعندما بدأ الصوفيّة يتعمّقون في حقائق الدين ولا يكتفون بظاهرها فحسب ظهر الفكر الصوفيّ كأحد مظاهر الفكر الإسلاميّ، هذا التطوّر الذي عده ابن خلدون بسبب تطوّر حركة المجتمع الإسلاميّ وامتداده، ونشوء ظواهر جديدة كالترف والبذخ، والإقبال على الدنيا.
فكان التطوّر الروحيّ الذي انتهى إلى علم التصوّف كما تطوّر الاتجاه العقليّ النظريّ إلى علم الكلام والفلسفة، وتطوّر الاتجاه العمليّ إلى الفقه وأصول الفقه والمدارس الفقهيّة المعروفة.
كان في الفكر الصوفيّ في مبتدأ أمره قائمًا على الكتاب والسنة، ملتزمًا بضوابط الشرع، عند أمثال معروف الكرخي (ت 255هـ) والحارث المحاسبي (ت 243هـ) وسير السقطي (ت 253هـ) والجنيد البغدادي (ت 298هـ) وغيرهم.
ذلك أنّه كان يقوم على التأمّل العميق في التوحيد والعبوديّة التّامة لله تعالى عن طريق تصفية القلب، واستقامة السلوك، ومجانبة الدواعي النفسانيّة، والتعلّق بالعلوم المستنبطة من الكتاب والسنة.
يقول الجنيد البغدادي رحمه الله:"إنّ من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر (أي التصوّف) لأنّ عملنا هذا مقيّد بالكتاب والسّنة" (3) .
ولقد تبلور فكر صوفّي إسلاميّ عميق في هذه المدرسة الصوفيّة، حول حقيقة العبادة والتوحيد واتباع السلوك الصحيح إلى الحقّ تبارك وتعالى، ووصف مراتب النفس وتصفيتها، وأمراض القلوب وشفاءها، وحقيقة هذه الحياة وموقع الإنسان فيها، والخلاص من الرذائل، ونبذ العبوديّة للدنيا، ومعرفة مظاهر الشرك الخفيّ ومراتبها.
غير أنّ هذا الفكر الصوفيّ السليم الذي تضبطه ضوابط القرآن الكريم والسّنة النبويّة، لم يستطع أنْ يسيطر على عالم التصوّف، بل ظهرت منذ"الجنيد"بوادر انحرافات واضحة، تمثلت في شَطَحات الحلاج التي كانت نتيجة الغنوصيّة الشرقيّة (الهنديّة والمجوسيّة ...) التي دخلت المجتمع الإسلاميّ، ودعت إلى الحلول عند الحلاج، والإشراق عند السهروردي الزنديق المقتول، ووحدة الوجود عند ابن الفارض والجيلي وابن سبعين وابن عربي، هذا الأخير الذي قال بوحدة الأديان وأوّل الحقائق الشرعيّة تأويلا منكرًا، ودعا إلى نظريّة الاتحاد بين الخالق والمخلوق، وغيرها (4) .
هذه النظريّات لم تكن تجربة روحيّة إسلاميّة، بل كانت مظهرًا واضحًا لدراسات فلسفيّة حلوليّة وغنوصيّة لا علاقة لها بروحانيّة الإسلام عند المتصوّفة الأُوَل المستقيمين من المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وضوابط فهمهما الصحيح.
ولا يعني وجود هذا الانحراف أنّ ساحة الفكر الإسلاميّ الصوفيّ خلت من التيار الصوفيّ المنضبط بضوابط الشّرع، بل استمر عند القشيري وعبد القادر الجيلاني، والشيخ زروق وغيرهم. الذين حاربوا تيار الإشرافية، ووحدة الوجود، والإباحية، ودعَوْا إلى كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
غير أنّ ما يمكن ملاحظته من الناحية المعرفيّة والمنهجيّة أنّ التصوّف يقوم على الذّوق والتجرِبة الذاتيّة، وما يسمى"بالكشف"، وهذا يشكّل حاجزًا كبيرًا أنْ يكون المنهج الصوفيّ منهجًا مشتركًا بين الناس يمكن التحقّق منه ومن علميّته، إذ إنّه لا يقوم على النظر العقليّ ولا على الحِسّ، وهذا ما يشترك فيه الناس جميعًا، وإنما يقوم هذا المنهج على التجربة الذاتيّة والمجاهدة وسلوك طريق الأحوال والمقامات، وهي فضلًا عن غرابتها من الناحية الشرعيّة، فإنها غير قابلة للتعميم، ولا يمكن البرهنة على صدقها، ولذلك تبقى قاصرة عن التعميم. وقد يمكن أنْ تكون صادقة ومقبولة عند صاحبها، ولكن لا تعتبر قانونًا عاماًّ يحتكم إليه الجميع، ويتصف بالموضوعيّة وإمكان المحاججة كما هو الشأن في مناهج علم الحديث أو الفقه أو التاريخ أو أصول الفقه مثلًا.
وبالرغم من أن الفكر الصوفيّ في العصر الحديث حاول أنْ يصطبغ بصبغة تجديديّة على أيدي كثير من الصوفيّة العلماء؛ أمثال العلاّمة محمد إقبال والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ فريد الدين شهيدي الهندي وغيرهم، إلا أنّ ما طرحه"إقبال"مثلًا من تجديد الفكر الديني في الإسلام، وبالأساس التصوّف، مازال يواجه أسئلة تقدح في صميم المنهج الصوفيّ القائم على البداهة والذاتيّة والعلم الذاتي غير المكتسب بالطرق المتعارف عليها والمعهودة بين أهل العلم، بحيث إذا ما قورن بضوابط الشرع أو العقل يواجه بأسئلة كثيرة على المستوى المعياري، والمستوى المعرفي (الابستمولوجي) ، والمستوى الوجودي (الأنطولوجي) .
ذلك أنّ اعتبار التجربة الذوقيّة والإلهام المصدر الحقيقي للمعرفة، ليس له في الحقيقة معنى منطقيًّا. فما هو معيار اختبار هذه التجربة الباطنيّة؟ وما هو المبرر العلمي لصرف ظواهر النصوص الشرعيّة وإعطائها معاني تخالف قواعد التأويل العربّي من الناحية اللغويّة باعتبار أنّ العربيّة لغة الوحي، كما تعطّل الحدود وتسقط الرسوم وتؤدّي إلى التحلّل من العبادة؟