إن قضايا الفساد الجنسي التي باتت اليوم تشكل هاجسًا قويًا لدى متصفحي الإنترنت مع كونها شكلت منعطفًا سيئًا لولادة خلق سيئ، إلا أنها ليست وحدها ما نشر في المواقع الإلكترونية, وفي رسائل الهواتف المحمولة، فإن ما تزخر به تلك التقنيات من تصوير لبنات وأعراض المسلمين بغرض اللهو والعبث أمر يفوق التصور الطبيعي للعقل، فلم تعد الرذيلة أمرًا صعب المنال، ويحتاج الوصول إليه قطع المسافات أيامًا وليالي، بل هي ساعات ودقائق ولحظات حتى يتكفل أحدهم بأن يهدي أخاه أو صديقه رسالة عبر الهاتف لا يستغرق انتقالها سوى لحظات من الثانية، وثمنٍ بخسٍ من النقود..
وهذا النوع من القضايا يضعنا أمام هالة من التساؤلات حول خطر هذه الأخلاق الوليدة في مجتمعاتنا نتيجة ولادة هذه المبتكرات، وتضعنا أمام تفكير جاد حول انعكاسات ونتائج التربية الإلكترونية الحديثة، والتي كان أثرها المباشر نابعًا من ذلك العالم المجهول الذي اقتحمت مجتمعاتنا أسواره بغتة دون سابق إنذار أو تهيئة ولن يكون علاجها مختصًا بجانب دون آخر، ولن يردعها فتوى شرعية، بل إن فتوى عاجلة تحرم اقتناء هاتف يمتلك خاصية التصوير ليس هو العلاج الصائب وليست كهذه الفتاوى العاجلة هي ما ينتظرها مراهق عابث، أو شابٌ طائش، كما أن لغة التحريم المطلق دائمًا ما توقع مصداقية العالم أو المفتي في حرج، عندما يكتشف جوانب الصلاح والفائدة في تلك التقنية فيصدر فتوى استدراكية عن جواز اقتناء ذلك الجهاز بضوابط معينة، كما أنه وفي ظل عصر بات العالم فيه قرية صغيرة، نكون قد أعلنا على أنفسنا الحكم بالتوقف عن مجاراة الحياة إن أعلنّا عصياننا على كل مخترعات أو تقنيات تصل إلينا، ونكون قد رفعنا بأنفسنا راية الاستسلام عن مواكبة هذا العصر؛ لأن القادم حتمًا سيكون أصعب وأشد نكالًا، وإن كل تقنية أو مخترع تم اكتشافه لا يمكن إلا وأن يجمع جوانب الخير والشر، وهذه حكمة الله حتى فيمن خلقه ـ سبحانه وتعالى ـ وهو الإنسان ذاته، فهو أيضًا وعاء يحمل نفسًا خيّرة، ونفسًا شريرة، كما أنه ليس من العقل أيضًا أن نتوقع بأن العلاج يكمن في عقار كيميائي ووصفه سحرية بها سيتوقف مسلسل العبث بأعراض الناس، وتصيّد عوراتهم؛ لأن سنة الله في الكون تأبى إلا أن يبقى الصراع بين الحق والباطل ما دامت الحياة، وأن تستمر المعركة بين الإنسان والشيطان ما بقيت السماوات والأرض، فنكون قد تعدّينا حدود العقل والنقل والمنطق إن أردنا أن نبحث عن علاج جذري لهذه الظاهرة لكي نجتثها ونستأصلها؛ فمجتمعات الطهر والنقاء لن تكون إلا في الجنة، أما في الدنيا فهي ساحة صراع لا ينتهي إلا بانتهائها..
ولهذا.. فإننا أمام ما يحصل الآن من فوضى أخلاقية أنتجتها التربية الإلكترونية، يجب علينا أن ننظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس لنرى بأن ما حدث سيكون محركًا ودافعًا لتمسك الأسرة المسلمة بعفتها، والاحتراز على حياتها من مداخل الشيطان، فإن الله إن أراد بعبده خيرًا أدخله الجنة رغم أنفه، وهيأ له أسباب دخولها، وهكذا بنات المسلمين إن شاء الله فرب حدث عابر يتطاير خبره ومأساته ليدخل كل بيت حتى يحرّك في فتياتنا غيرة وعودة للالتزام بحجابهن، والحفاظ على أخلاقهن، ما لم تستطع تحريكه مئات الندوات الاجتماعية، والمؤتمرات التربوية
بقلم: عبد الفتاح الشهاري
الإسلام اليوم