تبرز المطالب المشوشة لتيار الصدر هذه الحقيقة ، فقد تمثل المطلب الأكبر في إغلاق صحيفة الحوزة ، وهي وإن كانت الرئيسية إلا أنها ليست الوحيدة الموالية للتيار ، وقرار إغلاقها صدر لمدة شهرين فقط وليس دائما ، والمطلب الثاني كان الإفراج عن اليعقوبي ، ورغم إعلان اتهامه بالتورط في حادثة اغتيال عبد المجيد الخوئي قبل نحو عام ، إلا أن إطلاق سراحه أمر ليس صعبا ، وباقي المطالب تتعلق أصلا بأمور حدثت بعد التظاهرات مثل فك الحصار عن الصدر ، فهل هذه مطالب تسوغ كل هذه الهبة الشاملة التي سقط جراءها حتى الآن أكثر من عشرين قتيلا شيعيا وسبعة في الجانب الأمريكي غير الإصابات ، إن رد فعل الفئات الشيعية المؤيدة للصدر على مقتل أكثر من 170 شخصا في مواطن يقدسونها لم يبلغ واحد على عشرة من موقفهم الأخير ، وهو رد فعل يثير التساؤل والشك . أمر آخر هو طريقة الصدريين الساذجة في التعبير عن غضبهم تجاه الاحتلال الأمريكي ، فهم يتقدمون خطوات يعرفون تماما أنهم لن يستطيعوا الحفاظ عليها ، فما معنى الاستيلاء على مراكز الشرطة في الكوفة ، هل يعتبرون أنفسهم قوة لا تقهر ؟ وهل ستتركهم قوات الاحتلال وتستسلم للأمر الواقع ، أم ستتبع القوة في إخراجهم ؟ .
رابعا:
في محاولة لتفسير الموقف الأمريكي من تيار الصدر يطرح البعض احتمال أن الأمريكيين لا يقصدون تحييد مقتدى الصدر أو القضاء على نفوذه حرفيا ، بل يريدون ترويضه أولا ثم فسح المجال لمشاركة سياسية ثانيا في الفترة المقبلة لإحداث نوع من التوازن - حسب المفهوم الأمريكي - في الفسيفساء الشيعية ، ويقول آخرون أنه ربما يكون الهدف من تهميشه أمريكيا هو الإبقاء عليه كقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة حسب التوقيت الأمريكي ، كما أنه يمكن أن يبقى بهذه الوضعية القلقة لا في الداخل ولا في الخارج ، طرفا يمكن أن تنسب إليه كثير من العمليات الغامضة التي بلا هدف .
خامسا:
أثارت تصريحات الصدر بأن تياره سيكون اليد الضاربة لحماس وحزب الله دهشة الكثيرون في داخل العراق وخارجه ، خاصة وأن مدير"مكتب الصدر"في بغداد حازم الأعرجي أكد أن تيار الصدر جاد في تطبيق تعليمات زعيمه للتجنيد في صفوف حماس و حزب الله ، ويذكر أن حركة حماس ليس من مصلحتها أبدا أن يبرز مثل هذا التحالف الذي يدعيه مقتدى الصدر ، فهي تقصر عمليات المقاومة فقط في الداخل الفلسطيني ، حتى لا تختلط الأوراق وتدخل في مواجهات لا قبل لها بها ، وهذه سياسة ثابتة للحركة تصر عليها في كثير من المناسبات وآخرها جريمة اغتيال الشيخ ياسين رحمه الله ، وليس هناك لدى الحركة في العراق أهداف تسعى إلى مواجهتها أو يمكن أن تدخل ضمن استراتيجيتها العسكرية الحالية ، فما الذي يمكن للصدر أن يقدمه لهم في العراق ، لا شئ إلا أنه يستغل اسم حماس وشعبيتها كموجة كاسحة يريد الركوب عليها ليخرج من حالة الحصار والبين بين التي يعاني منها العراق . أما حزب الله فلا يستطيع أن يعدو قدره ، فمنذ الانسحاب"الإسرائيلي"من جنوب لبنان ، وهو يعاني من حالة بطالة ثورية دعائية ، يحاول أن يشغلها حينا بإطلاق الصواريخ على المواقع الخالية ، أو بتبادل الجثث والأسرى مع الصهاينة .
سادسا:
عندما يدعي الصدر أنه سيكون اليد الضاربة لحزب الله في العراق ، فإن يخالف مزاعمه التي يصرح بها في كل محفل ، وهي رفضه للسيطرة الإيرانية على المرجعيات في العراق ، وهو يعلم تماما أن حزب الله مرجعياته في إيران وأنه يتلقى دعمه الرئيس من هناك ، فهو ميلشيا إيرانية تشكلت في لبنان ، فلماذا يظهر معارضته لإيران ، ثم يجعل نفسه اليد الضاربة لمندوب إيران في لبنان ؟ !!.. ومواقف الصدر تجاه إيران بصفة عامة غير واضحة ، فهو يظهر رفضه لسيطرة المرجعيات ذات الأصول الإيرانية في العراق ، ولكن هذه المرجعيات ترفض مبدأ الولاية العامة للفقيه الذي تتبعه إيران ، وبالتالي لا تتبنى خيار دولة دينية في العراق مماثلة لإيران ، على الأقل في الظاهر ، بينما مقتدى الصدر يقتفي خطى أبيه فيؤيد دولة إسلامية في العراق ، وإن كان موقفه في هذا الشأن يبدو متذبذبا ، فالإطار العام الذي يفترض أن ينسج من خلاله العلاقة مع إيران هو اغتيال والده صادق الصدر ، بتنسيق بين الإيرانيين والمرجعيات الشيعية في العراق حسبما يعتقد مقتدى ، لكن يقول بعض المراقبين أن هناك تنسيقا أو توظيفا من قبل الإيرانيين لمقتدى الصدر في تحقيق بعض المصالح ، فقد كان اغتيال عبد المجيد الخوئي من قبل أتباع الصدر متوافقا مع المصلحة الإيرانية ، وكذلك اغتيال باقر الحكيم لو صح أن مقتدى مسؤول عنه ، فهو يخدم إيران لأن الحكيم كان يغير توجهاته وولاءاته ، وكان مقتدى الصدر قد فر إلى إيران لعدة أيام بعدما ترددت أنباء عن تورطه في الاغتيال ونقمة رموز شيعية عليه ، إلا أنه عاد بعدها إلى العراق ..
سابعا: