فعلى الوالد والزوج وما ضارعهما تغيير المنكر الواقع ممن هو تحت ولايتهما بيده ، وفقًا لما يتناسب مع هذا المنكر من صور التغيير باليد، فقد يكفي في تغييره إفساد آلته دون اللجوء إلى ما هو فوق ذلك، فكل صورة من صور التغيير تقوم بحق التغيير لا ينتقل إلى ما فوقها، والوالد والزوج وما ضارعهما له حق التغيير بكل صور التغيير باليد، دون الحدود أو ما فيه إزهاق روح أو إراقة دم، فذلك للإمام بحقه الذي شرعه الله عز وجل.
الحالة الثانية:
أن يكون للمغير ولاية عامة على ذي المنكر، كولاية السلطان على رعيته فإن لهذا المغير أو عليه، تغيير منكر رعيته باليد - بكل صور التغيير باليد- تغييرًا لا يبقي منه ولا يذر، فيكسِر آلات المنكر، أو يزيل عينه، أو ما يقوم به ويتخذ كل ما يحقق له القيام بهذا الغرض قيامًا تامًا خالصًا لله وليس انتصارًا لسلطانه، فإن قاومه ذو المنكر وأعوانه أخذ على أيديهم بما يناسب مع مقاومتهم ، ولو أدى إلى قتل من يقاوم، إن لم يكن من القتل بدٌ، والعجز عن تغيير المنكر باليد إذا كان لابد منه لا يتأتى مع حال ولي ألأمر، إن كان صادقا ًمع الله تعالى.
ويأخذ هذا الحكم من ينيبه الولي الأعلى من الأمراء والولاة، كل في حدود ماولاه وأذن له فيه، ولا يدخل في هذا التغيير باليد العلماء الذين لم تكن لهم نيابة من الولي، إذا كان الوالي مقيمًا شرع الله تعالي ، فولاية العالم في رعاية الوالي المسلم إنما هي ولاية تعليم، ونصح وفتوى، وليست ولاية تنفيذ ، أما إن كان الوالي ألأعلى لا يقيم شرع الله في حكمه ، ويأبى تغيير المنكر أو يقر أهله عليه ،أو يزعم أن ذلك من الحقوق الشخصية المكفولة لهم ،بما شرعه هو أو بطانته ،أو بما نص عليه ما يسمى ب"حقوق الإنسان العالمية"، أو كان لا يعترف بأن هذا منكر يجب تغييره، من بعد أن بينه له العلماء بيانًا شافيًا لا يتوقف معه من كان غير ذي هوى ، فإن للعلماء بل عليهم فريضة أن يتحدوا وأن يغيروا المنكر بأيديهم، دون البلوغ به حد إزهاق روح، أو إراقة دم، فإن خافوا فتنة بهذا، أضر بالأمة من هذا المنكر فإنهم أهل الحكمة.
يقدرون الأمور بمقاديرها،ويقدمون الأهم على غيره.
والإنكار على الولاة والسلاطين باليد لا يلزم منه أن يخرج عليهم ويقاتلهم بالسيف، يقول ابن رجب: ( التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، وحينئذٍ فجهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل: أن يريق خمورهم أو يكسر آلات الملاهي التي لهم ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، خشية حدوث الفتن التي تؤدي إلى سفك الدماء ) (6) .
وقد كان ابن تيمية يغير المنكر هو وأعوانه بيديه ،فقد كسر آنية الخمر في الحانات ، ومزق أوعيتها وأراقها وعزر أهلها، وفرح الناس بذلك، ولولا أن السلطان في عصره لم يكن يقيم الشرع، ويغير المنكر، ما كان لابن تيمية الفقيه أن يتعدى على حقه، وهو العالم بذلك الحق.
فلإمام العلماء في مثل هذا أن يقيم تغيير المنكر حين يتخلى الوالي عن حقه ويهدر حق الشرع، وليس للعامة أن تفعل ذلك إلا بمعونة العلماء وفتواهم وتحت إرادتهم الراشدة الحكيمة.
الحالة الثالثة:
ألا يكون لأي من المغير وذي المنكر ولاية عامة أو خاصة على الآخر، كما بين أفراد الرعية ، وهذه الحالة ذات شقين:
-أن يكون ولي الأمر الأعلى يقيم شرع الله، وينكر المنكر ويغيره حتى يعلم به.
-ألاَ يكون كذلك .
فإن كان يقيم الشرع ويغير المنكر، فليس للعامة أن تغير المنكر الواقع ممن ليس لهم عليه ولاية -تغييرًا باليد- بل عليهم إبلاغ ولي الأمر أو نوابه ومن أقامهم لذلك، وهم يتولون ذلك، فإن طلبوا معاونة العامة ،فقد وجب عليهم تقديم العون لهم وفق مطلوبهم وتحت إمارتهم، وإما أن كان الوالي لا يقيم شرع الله ولا يغير المنكر، بل يجعله من الحقوق المكفولة بما شرعه هو أو بطانته من قوانين، فعلى العامة اللجوء إلى أئمة العلماء ،ورفع ألأمر إليهم للتصدي للسلطان، وحمله على تغيير المنكر، وإلا قاموا هم به، وعلى العامة حينذاك مناصرة العلماء وتأييدهم وحمايتهم، فإن العلماء إذا ما وجدوا أعوانًا من العامة قاموا في وجه السلطان الذي لا يقيم شرع الله تعالى، بما يحمله على العدل والسلطان إذا علم أن الأمة من خلف علمائها خضع للحق الذي يدعوا إليه العلماء وتريده العامة، فإن السلطان الطاغية لا يشتهي شيئًا كمثل إهانة العلماء وإذلالهم وتحطيم منزلتهم في قلوب العامة.
الحالة الرابعة: