الدنيا يا إخوة كلها تدريب ومران، والعبادات أثر التدريب فيها واضح، وحين كان النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس قائلًا فيما يختص بالصبيان من أجل الصلاة: مروهم بها لسبع يعني إذا بلغ الطفل سبع سنين فأمروهم بالصلاة واضربوهم عليها لعشر، حينما يبلغون العاشرة ولا يصلون فاضربوهم من أجل أنهم يتركون الصلاة. علمًا بأن الصلاة لا تجب على الطفل وهو في العاشرة، لا يخاطب بها قبل البلوغ، ككل الفرائض لأن مناط التكليف ومتعلق الخطاب، هو البلوغ، فقبل البلوغ لا يحاسب الإنسان، ومع ذلك فأمرُ النبيّ صلى الله عليه وسلم واقع على مقتضى الحكمة. لو تركنا الإنسان يتصرف وفقًا لاندفاعاته العارضة، وفقًا للهمة المنبعثة في اللحظة المناسبة، لتأدى ذلك إلى ضياع الفرائض، بل لتأدى ذلك إلى خلخلة هائلة في البنى الاجتماعية البشرية. لا بد في الحياة من تدرب ولا بد في الحياة من تمرين؛ فإذا رأينا فرائض الإسلام تأتي في أوقات وفي أحوال تتقارب أو تتباعد، لكن يلحظ فيها دورانها على أزمنة معروفة، فإنما يراد للإنسان المسلم أن يشد إلى هذه الحقيقة الثابتة ما يكاد يفرغ من صلاة الصبح حتى يجد نفسه متهيئ لصلاة الظهر وهكذا فإذا صام رمضان فهو مترقب لرمضان أيضًا، فإذا أدى زكاة ماله فهو على شرف أن يؤدي زكاة العام القادم وهكذا قل في سائر الفرائض وسائر التكليفات، يراد من ذلك أن يبقى الإنسان ضمن التجربة تمرنه ويتمرس عليها ويستفيد من جوائها وأقلمتها له؛ حتى يكون قادرًا على أداء الفرائض دون تململ ودون ثقل يشعر به، ودون أذى يحس به في نفسه، فالتكرار ودوران الفرائض في أوقات معينة يراد لها أن تذلل النفس على الطاعة، فالاخوة الذين يصومون ويقومون ويصلون ويقرؤون القرآن ثلاثين يومًا خلال شهر رمضان؛ ألا يكفي هذا أن يكون هذا الجو العطر المفعم بالطاعة وبالعبادة وبالجو النفسي الذي يسوده السلام والطمأنينة ألا تكفيه ثلاثون يومًا من أجل أن يتعرف على هذا الطهر وهذا السلام الذي توفره العبادة؟ أعتقد أنه يكفي للإنسان - تحت شرط واحد - وأظن أن كل عاقل عليه أن يؤديه تمامًا.
إن العبادة كأداء كل عمل، إذا كان يُؤدَّى بغير اهتمام، وبغير محاولة للحصول على أي تأثير من فضى المعدة فلا يمكن أن يكون إلا شيئًا ضارًا، لأنك ستؤديه ضمن علاج مع نفسك وفي جو لا يوفر لك القناعة الكافية، بجدوى هذا الشيء الذي تؤديه فأنت إذًا سوف تكون في نهاية الحساب خاسرًا. ولكنك إذا أديت الفرائض وقمت بالتكليفات الشرعية، وفي ذهنك أنك تريد فعلًا أن تتعرف على حقيقة هذه الفريضة، وأن تتوفر لنفسك فرصة الحصول على ما يمكن أن تعطيك إياه هذه الفريضة، فأنت في الواقع رابح..
أيام رمضان أيام شهر واحد من أحد عشر شهرًا ستنقضي، وها نحن اليوم قد حذفنا ثلثها الأول ولن يأتي طويل زمن إلا ويكون الشهر الكريم في ذمة التاريخ، وككل أيام الإنسان وككل آناء حياته، فإنما هي ختام مرحلة وبداية مرحلة، ويوم يعرض الحساب ويوضع الميزان، فأنا أرجو الله أن لا تطيش موازيننا، وأن يكتب الله لنا فيما عملنا وفيما قلنا وفيما انتوينا في هذا الشهر أجرًا عظيمًا وأَنْ يثبتنا على أن نكون بعد رمضان خيرًا مما كنا في رمضان، فلا خير في مسلم لا يكون يومه خيرًا من أمسه، ولا يكون غده خيرًا من يومه، لأن المسلم يفترض أنه دائمًا وأبدًا على زيادة إلى خير فالله جل وعلا نسأل أن لا يحرمنا وإياكم من ذلك.
نعود الآن إلى فواتح سورة التكوير، وهي السورة التي ودعناها قبل أسبوعين وأحسب أنني تكلمت لكم في الجمعة قبل الماضية عن المبررات الكافية التي تجعل التأكيد على موضوع اليوم الآخر، أمرًا ضروريًا وحيويًا.
تذكرون أني قلت لكم إن الآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر وما يتفرع عنه تبلغ ثلاثة أرباع ما نزل من القرآن، وأن هذه الظاهرة تعطي أهمية ملحوظة لموضوع اليوم الآخر؛ فمن أجل ذلك فإننا لا نستغرب أن نواجه عناية القرآن بموضوع اليوم الآخر.
من بدايات التنزيل منذ السورة الأولى (اقرأ باسم ربك الذي خلق) جاءت الإشارات واضحة إلى اليوم الآخر، وهكذا فما من سورة من كل السور التي استعرضناها كما لا يخفى عليكم، خلت من حديث يقصر أو يطول عن اليوم الآخر. في العلق في القلم في المزمل في المدثر في الفاتحة في المسد في التكوير ولكن الشيء الذي يلفت النظر فيما يتعلق بسورة التكوير، ترتيب هذا الحديث عن اليوم الآخر.