سأعيد عليكم فاتحة السورة لأنها هي التي تحدثت أساسًا عن اليوم الآخر يقول الله جل اسمه بسم الله الرحمن الرحيم (إذا الشمس كورت) عدوا معي الآيات التي تتحدث (إذا الشمس كورت) هذه آية وكل آية تتناول ظاهرة من ظواهر اليوم الآخر (وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت) العشار هي النوق التي تحمل وتكون في شهرها العاشر أي هي على شرف الوضع شرف الولادة وهي بالنسبة للذين يعتنون بالإبل أثمن مالهم واعزّه عليهم، وتعطيل العشار هو إلقاؤها ذات بطنها أي أنها تلقي ما تحمل أو أن يكون تعطيلها صرف النظر عن مراقبتها والاهتمام بشأنها انشغالًا بهول اليوم الآخر (وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت) وتزويج النفوس ليس عقد قران وأمر نكاح؛ وإنما تزوج النفوس برد الأرواح إلى الأجساد فنحن نقول هاتان الحبتان زوج أو زوجان كما هو الأصح من حيث أن كل حبة منهما تشكل زوجًا للأخرى، فالنفس والجسد اللذان هما قوام الحياة البشرية لا اتصال بينهما بغير انفصال، فالنفس أو الروح من عنصر والجسد من عنصر آخر، الروح نفخة من روح الله والجسد جثة من تراب فالعنصران متغايران فهما إذًا قابلان للانفصال فحين يحصل الموت كل الذي يحصل أن النفس أو الروح تفارق الجسد وأن الجسد يترك لمصيره من التحلل، وإذا كان يوم القيامة، فهذه الأفراد التي هي الروح من جهة والجسد من جهة؛ تزوج أي تعاد إلى ما كانت عليه زوجًا يُكوّنُ وَحْدَةً؛ فهذا هو المقصود من تزويج النفوس فقول الله جل وعلا (وإذا النفوس زوجت) أي أعيدت الأرواح إلى أجسادها التي كانت عليها في الدنيا (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت) للمرة الأول نواجه شيئًا من هذا التوازن في الحديث عن اليوم الآخر.
دعونا من النظر في الفواصل القرآنية ومن الدراسة البلاغية والفنية لآيات الكتاب عن اليوم الآخر.. اثنتا عشرة آية.. هذه الآيات الاثنتا عشرة مقسومة إلى نصفين نصف يتحدث عن بداية اليوم الآخر ونصف يتحدث عما يكون في اليوم الآخر، أي أن نصف الآيات تتحدث عما يعتري الكون من فساد نظام، وما يصيب الناس من هول وفزع وسائر الكائنات في ست آيات؛ فإذا جاءت الست آيات الأخرى تحدثت عما يكون بعد النفخ في الصور بعد حصول القيامة فالآيات الأولى (إذا الشمس كورت) ومتى يكون هذا؟ قبل النفخ في الصور (وإذا النجوم انكدرت) يعني انطفأت وذهب ضياؤها وذلك قبل القيامة (وإذا الجبال سيرت) وكذلك قبل القيامة، يعني قبل أن يقوم الناس لرب العالمين وأن يقفوا للحساب (وإذا العشار عطلت) فهذا كذلك قبل وقوف الناس لرب العالمين (وإذا الوحوش حشرت) أثناء الهول وأثناء الفزع حينما تنسى الوحوش غرائزها ورغبتها في العدوان ورغبتها بالافتراس من هول الموقف تسقط هذه الغرائز وتتعطل ونرى الوحوش مع بني آدم والأعداء بعضهم مع بعض كلهم يحشرون على صعيد واحد، قد نسوا لما هم فيه من فزع عظيم، هذه الغرائز التي كانت تحركهم يوم كانت الأمور في الدنيا أمنًا وطمأنينة - فإذا تركت هذا - ثم أيضًا (وإذا البحار سجرت) هذه البحار ترونها في إطلاقات القرآن؛ فحينما يقول الله أو يتحدث الله عن البحار فإنما يريد كل مستقرات المياه والبحار والأنهار والبحيرات جميعًا كلها بحار وتسجير البحار مقصود به واحد من أمرين إما أن يكون من السجر الذي هو الملء نقول البحر المسجور أي الممتلئ ماء؛ فيكون من هذا الارتجاج الذي يحصل عند بدء يوم القيامة اتصال واختلاط بين منابع جميع المياه حتى تجد البحار القليلة المياه قد سجرت أي امتلأت؛ وقد يكون بمعنى آخر وهو السجر أو التسجير بمعنى الإحراق والحرارة الزائدة ولا ندري فقد لا يكون هذا المعنى الثاني مرادًا لأن قيامة القيامة علامة أو نتيجة لفقدان الطاقة في هذا الكون فالكون ما يزال عاملًا ومتحركًا طالما أن الطاقة فيه حية فإذا انطفأت الطاقة - وكل الآيات في هذا المعنى تشير إلى هذا - فإن حظوة الحياة أيضًا سوف تنتهي على ظهر هذه الأرض، وفي الكون كله وانطفاء الطاقة يكون حينما تصل إلى حد الصغر المطلق في كل أجزاء الكون وحالة من هذا القبيل لا تسمح بتاتًا بأن تكون البحار مسجرة أي هي مشتعلة من شدة الحرارة، ولعل تأويل الامتلاء هو أشبه التأويلات بهذا إن شاء الله تعالى.