فهرس الكتاب

الصفحة 6793 من 27345

إلى هنا ينتهي عرض المشهد الذي يكون قبل وقوف الناس لرب العالمين، ولكن - وهنا يجب علينا أن ننتبه إلى حكمة القرآن وكيف يسوق أغراضه - يقول الله (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) تصور نفسك أمام هذه اللوحة أمام هذا المشهد في الدنيا وما كان من شؤون الناس وكل المآسي التي حصلت على ظهر هذا الكوكب فإذا أنت بالنداء الإلهي يقرع سمعك قرعًا شديدًا (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) وتتعجب هل الأمر على هذه الدرجة من الأهمية؟ وترجع إلى الساحة التي كان يتحرك عليها محمد صلوات الله وسلامه عليه وتتقرَّى ما كان فيها، فما أنت واجد؟ أليس محمد عليه السلام هو الذي نشأ في مكة؟ أليست مكة البلد الذي تهوي إليه أفئدة العرب في الجاهلية؟ أليس العرب قوم محمد صلى الله عليه وسلم؟ أليس هذا الدين إشاعة لذكرهم وتنويهًا بفخرهم ونشرًا لشرفهم؟ بلى؛ والله جلَّ اسمه يقول لمحمد عليه الصلاة والسلام وإنه أي هذا الدين أو هذا القرآن لذكر لك ولقومك أي شرف وسمعة عطرة لك ولقومك وسوف تسألون، أليس حقًا بعد هذا أن يكون حرص الإسلام بالغًا الغاية من أجل تخليص العرب الذين رشحهم الله جل وعلا لحمل رسالة الإسلام من كل ما يؤذي الإنسان؟ بلى. وفي أية زاوية، لا في الزوايا الأخلاقية ولا في الزوايا التشريعية ولا في الزوايا التي تمس النهايات البعيدة للتحرك والسياسة العامة ولكن فيما يتعلق بصميم الوجود البشري. إننا نتحرك ورأسمالنا الذي نتحرك به ورصيدنا الذي ننفق منه ماذا؟ هو هذا الإنسان؟ الإنسان أثمن شيء والله جل وعلا حين خلق هذا الإنسان أمر الملائكة أن تسجد لهذا الإنسان فسجدت تكريمًا لما خلق الله من مخلوق ذي مزايا ليست موجودة في الملائكة، ولا في سائر مخلوقات الله تبارك وتعالى، وإذا ذهبنا نتعرف على الروح العامة التي تحرك الإسلام لوجدنا أن الإسلام ينطلق من الإنسان ليعود إلى الإنسان في إعزاز وفي حفاوة بالغة لو ذهبت تتعرف على آيات الله تبارك وتعالى في هذا المجال لكان حسبك قراءتك بضع آيات من سورة المائدة.

اسمع.. يقول الله جل وعلا:

)واتل عليهم نبأ ابني آدم إذ قرّبا قربانًا فتُقُبِّلَ من أحدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين).

تلك هي اللوحة التي عرضت لأول جريمة اعتداء على الحياة في تاريخ الجنس البشري جريمة بين ابني آدم عليه السلام بماذا يعقب الله عليها؟ يقول الله جل وعل:

(من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل - وكذلك هو مكتوب علينا - أنه من قتل نفسًاُ بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) .

أرأيتم كيف أن هذا الإسلام يسد المنافذ والسبل التي تؤدي إلى إهدار قيمة الحياة البشرية؟ لأن الإسلام أعطى لحياة الإنسان اعتبارًا عاليًا جدًا لم يجز أي عدوان على هذا الإنسان، لا فقط بالنسبة لحياته فذلك مفروغ منه من اعتدى على حياة أخيه وأزهقها بغير حق وبغير فساد أفسده هذا الإنسان، أزهقنا حياته عملًا بقانون التماثل المعمول به في الإسلام وفي سائر الشرائع والذي هو نداء الفطرة الإنسانية، ولكن الأمر في إعزاز الحياة الإنسانية يذهب إلى أبعد من هذا يذهب إلى توفير الأجواء والمناخات التي تجعل هذه الحياة الإنسانية ذات قيمة ذات معنى، مليئة فَعَّالة منتجة، من أجل ذلك فإن الإسلام حريص أبلغ الحرص على أن لا يساء إلى الشخصية الإنسانية بحيث تكون هذه الإساءة عاملًا في إنقاص فعاليتها حتى الشعور.

جاء رجل فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أُخِذَ بجلال النبوة ورهبة الرسالة فارتعد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: خفِّضْ عليك يا أخا العرب، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة.. اللحم المجفف على الصخور، لكي يذهب بهذا الروع عن نفس هذا الإنسان الذي توهم أن منصب النبوة منصب يولد الرعب، ويذيب الشخصية الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت