وفي كل موقف نجد الرسول صلى الله عليه وسلم حريصًا على أن يوفر هذا الامتلاء للشخصية الإنسانية كان ينهى عن إذلال الإنسان لنفسه. ويقول ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه وكان ينهى عن إذلال المؤمنين ويقول: ظَهْرُ المؤمن حمى، لا يجيز أبدًا أن يذل الإنسان المؤمن بالشتم أو بالضرب لأن هذا سيكون انقاصًا للفاعلية المطلوبة من هذا الإنسان ويقول عليه الصلاة والسلام: صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما - ربما يلتبس النص على بعضكم الرسول عليه الصلاة والسلام - حدث في عدة مرات فقال أُرِيْتُ النار وقال أريت الجنة، أراه الله سبحانه وتعالى - إما حقيقة إما تمثيلًا - النار والجنة جميعًا، ورأى عليه الصلاة والسلام ما رأى من أحوال أهلها وأوصافهم من جملة ما رأى.. رأى النار وحدثنا في رؤياه عن مصير الزناة، وعن مصير شربة الخمر، وعن مصير المرابين، وعن أشياء كثيرة تحدث بها الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي موجودة في كتب الحديث لكن النبي عليه الصلاة والسلام حين انكشف له أهل النار ورأى الأصناف الذين يتخبطون فيها يقول:
صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما.. يعني أنهم في عصره عليه الصلاة والسلام ما كانوا موجودين. من هما؟ قال رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ظهور الناس هذا صنف، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله كيف لو رأيت اليوم من أهل النار نماذج خلفت السياط للتسلية. فقد استعملت الكهرباء وما في معنى الكهرباء لتعذيب عباد الله.. صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.
والصنف الثاني الذي لم يره عليه الصلاة والسلام من أهل النار قال ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت.
هؤلاء النساء اللواتي يصففن شعورهن في المحلات المختصة بهذا، وهن كاسيات عاريات ترى الواحدة منهن فتحير أهي تلبس على جلدها شيئًا أم هي عارية تمامًا، لأن الثوب مفصل لكي يلتصق بكل جزء من أجزاء الجسد، ويحكي كل مفصل، وكل عضلة في هذا الجسد، ومائلات مميلات يتخطرن كالغصن الذي تعبث به النسائم يمينًا وشمالًا إذا مشين، مشين بتخلع ومشين بمجانة.
فهذا الصنفان من الناس من أهل النار لم يرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
على أي حال؛ فالشيء الذي يجب أن يؤخذ هو أن الإسلام بحرصه على الحياة لم يسد المنافذ على فوت الحياة وحسب، وإنما سد المنافذ على تفريغ الحياة من معناها كذلك ففي جو كهذا ينظر إلى العوائد وعوائد سيئة قد تكون نابعة عن الوسط وعن البيئة وقد تكون متخلفة عن عوامل اقتصادية وعوامل اجتماعية وقيم نشأت في هذا المجتمع القبلي الذي يعيش بين أعاصير الرمال المهم كان بين العرب ما يعرف بعادة الوأد, الوأد: هو دفن البنات وهن على قيد الحياة كراهة لهن من جهة ومن جهة أخرى كراهة أن يأكلن مع الآباء ومع الأهل كي لا يؤثرن على المستوى المعيشي للأسرة.
كان الرجل إذا جاءته بنت إما أن يدفنها حية مباشرة، وإما أن يتركها حتى تترعرع ثم يدفنها بعد ذلك، كان الوأد يجري كالآتي تهيئ الأم حفرة فإذا وضعت الوليد نظرت فإن كان ذكرًا أخذته فاستحيته، وإن كان أنثى أهالت عليه التراب، وهو في الحفرة.
لكي نتصور إمكان أن تقوم الأم بدفن ولدها وهو حي؛ فيجب أن نعرف أن هذه العوائد بلغت من الرسوخ في المجتمع العربي المبلغ الذي يقضي على كل عواطف الأمومة - وهي أقوى العواطف وأشرف العواطف بإطلاق - وربما تترك البنت حتى تتغذى باللبن وتفطم، فإذا بلغت أن تمشي وتذهب وتجيء جاءها أبوها بجبّة من شعر فألبسها إياها - كما يفعلون بالرعيان - ثم أخرجها لترعى له إبله أو شياهه، فإذا أراد أن يقضي عليها ذهب فاحتفر لها بئرًا في الصحراء، ثم جاء إلى أمها فقال لها جهزي ابنتك إلى أحمائها الإحماء من القبور، من هنا جاء ما يعرف بين الناس بما يقولون؛ نعيم الصهر القبر، من هنا جاءت؛ فإذا جهزتها أخذها أبوها حتى أوقفها على البئر الذي حفره في الصحراء وقال لها انظري فإذا نظرت كبها في البئر، وأهال التراب فوقها.