فهرس الكتاب

الصفحة 6795 من 27345

أسباب هذه العادة.. نتائج هذه العادة.. تحدثت إليكم به قبل اليوم أظن من ثالث جمعة ما أنا براغب أن أعود إلى هذا الحديث لكن أريد أن ألفت النظر إلى تأثير العادات الاجتماعية في العقائد، العرب تكره البنات والله جل وعلا أنبأنا في القرآن الكريم عن ظاهرة الكره هذه فقال جل اسمه (وإذا بُشِّرَ أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودًا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى) ربما من لا يعرف عوائد العرب يقف عند هذه الآية ما دخل هذه الآية بالتي قبلها (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم) فنلفت أنظارهم إلى أن العرب كانت عندها أصنام من جملتها اللات والعزى ومناة هذه الأصنام تسمى بتسميات الإناث، والعرب كانت تقول: إن هذه الكواكب هي إناث، وإنها بنات الله، والعرب كانت تقول: إن الملائكة إناث وهنّ بنات الله وهكذا، فهم ينسبون إلى الله ما يكرهون وينسبون إلى أنفسهم ما يشتهون، يكرهون الأنثى فينسبونها إلى الله تبارك وتعالى، ولهذا قال الله أيضًا (وإذا بُشِّرَ أحدهم بما ضرب للرحمن مثلًا - يعني نسب الأنثى إلى الله - ظلّ وجهه مسودًا وهو كظيم) . فكراهيته الأنثى انعكست على العقائد فأصبحت الأصنام تشكل على هيئات الإناث، وأصبحت تطلق عليها ألقاب الإناث ومع أن الله جل وعلا، خاض مع العرب حجاجًا طويلًا سوف نصل إليه وسوف نقف معه فنحن نريد أن نؤكد على هذه الظاهرة إن العادة الاجتماعية لا يمكن أن تكون منفصلة تمامًا عن العقيدة بل نحن إذا أردنا الحقيقة نستطيع أن نعكس فنقول العقائد هي التي تشكل العوائد الاجتماعية أو هكذا ينبغي أن يكون؛ فالعرب بشدة كراهيتهم للبنات كانوا يئدونهن.. حين جاء الإسلام جاء بهذه الروح التي تستهدف استحياء هذه الأنفس، إنقاذها من الهلاك (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) لماذا؟ أذنبها أنها جاءت أنثى ولم تأت ذكرًا؟ أذنبها أنها لا تحمل السلاح لتدفع عن القبيلة والذكر يحمل السلاح ويدفع عن القبيلة لا لأن المنطق يقضي أن يؤاخذ الإنسان بما يصنع، بما يكون ضمن طاقته، أما أن يكون الإنسان طويلًا أو قصيرًا ذكرًا أو أنثى أبيض أو أسود فكل هذا لا يرتب عليه مسئولية، لأن هذه الأشياء أشياء تخرج عن إرادة الإنسان ولكي ترتب مسئولية في أية ناحية، لابد من أن تدخل الإرادة الإنسانية لتحدد هذه المسئولية.

جاء الإسلام فكان فتحًا مبينًا للنساء اللواتي يتندرن اليوم هن وإخوانخنّ من المتحللين والفاجرين ومن المتحللات الفاجرات ومن الكاسيات العاريات ومن أحلاس الشهوات، ممن يزعمون أن الإسلام أذلَّ الأنثى مع أن الإسلام هو الذي أنقذ الأنثى - في التاريخ الإنساني كله - وهو الذي أعطى الأنثى كرامتها الحقة، وإذا كان ذنبًا على الإسلام يُحْسَبُ أن تُنقذَ المرآةُ من بين يدي العابثين، وتجار الأعراض، ولصوص الأعراض، فالإسلام يعتز بهذه التهمة.

إن الإسلام في الوقت الذي يرفع فيه من قيمة الأنثى لا يرضى أبدًا أن تكون الأنثى رقيقًا يباع ويُشترى في سوق النخاسة ولا يرضى أبدًا أن تكون عفة الأنثى موضوعًا يتلعب به طلاب الشهوات وأحلاس الفجور والانحلال، الإسلام لا يرضى هذا من شاء فليرض بذلك ومن لم يرض فليكسر رأسه بالحائط رأي الإسلام في ذلك صريح، يحيي الأنثى وحياة الأنثى تقتضي المحافظة على شرفها والمحافظة على عفتها والمحافظة على كرامتها كي لا تكون سلعة رخيصة في أيدي التجار الذين يقلبونها اليوم وينبذونها غدًا نبد النواة، فالإسلام إذًا حينما تحدث في فاتحة سورة التكوير كان يواجه حالة شاذة عالية الشذوذ، حالة إزهاق العنصر الأنثوي في الحياة الإنسانية فلا بد من أن يحشر هذا.. أين؟ في أهم الأحداث، حينما يتحدث القرآن عن أهوال يوم القيامة في الوقت الذي يصور لنا على أنه تذهل كل مرضعة عما أرضعت حينما ينسى الوحش غرائز العدوان، حينما يتعطل كل شيء يأتي النداء الإلهي متسائلًا: (وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) هذا تساؤل ستكون له نتائج عملية ككل قضايا الإسلام؛ نحن نقرأ بعد في العصر المدني ومن سورة الممتحنة أن الله جل وعلا يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم قائلًا:

(يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن -قتل الأولاد الذي هو الوأد- ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن إن الله غفور رحيم) .

فالإسلام ليس فقط دين توجيهات وإنما هو دين نظام وتطبيق وعمل وقد كشفت لنا هذه الفاتحة عن محاولة الإسلام لتغيير الواقع البشري في ذلك الزمان وفي تلك الرقعة المحصورة ولكنه مؤطر وموضوع في سياق يدعو إلى التأمل الشديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت