فهرس الكتاب

الصفحة 6789 من 27345

وكذلك يضرب الله قصة المسيح عليه السلام إذ يخلق من الطين كهيئة الطير ، وكذلك يقصّ الله تعالى قصة أهل الكهف الذين ضرب على آذانهم سنين عددًا ، وكذلك يقصّ في سورة البقرة قصة القتيل الذي ادّارأ فيه أهله فيأمرهم الله تعالى بأن يذبحوا بقرة وأن يأخوا شلوًا من أشلائها ويضربوا بها القتيل فإذا ضُرب القتيل بهذا الشلو قام حيًا بعد الموت فأخبر عن قاتله .

هذه الوقائع نثرها القرآن الكريم بين يدي عمليات الإقناع باليوم الآخر ، ولكنها مفيدة بالنسبة لصنفين من الناس ، الصنف الأول هو الذي عاين الحادثة ، شاهدها ، يُفترض فيه أن يؤمن ، مع الاحتفاظ بأن بعض الناس تبلغ بهم اللجاجة الحد الذي ينكرون فيه ما يرونه رأي العين ، وكما كان يقول المعري رحمه الله:

ولو هبّ صدّقه معشر وقال أناس طغى وافترى

الإنسان قادر على أن يُكذب الشيء المشهود المرئي المحسوس ، هذا صنف .

والصنف الثاني هم الذين يؤمنون بإخبارات الكتب الإلهية ، فنحن نؤمن بهذا استنادًا إلى صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا أن هذا الكتاب جاءه من عند الله تبارك وتعالى ، وهذا الكتاب يتضمن هذه الإخبارات ، فنحن بهذه المثابة نؤمن بهذه الإخبارات .

فالقرآن كما ترون سلك في إقناع الناس باليوم الآخر مسالك متعددة لا مسلكًا واحدًا ، إدراكًا منه بأن منافذ التعقل ومنافذ الاقتناع عند الإنسان ليس واحدة ، وإنما هي متعددة ، وأن الدعوة الناجحة هي التي تضرب على جميع الأوتار وتسلك إلى النفس الإنسانية جميع السبل وجميع النافذ لا تغادر منها شيئًا . وكل ذلك مؤسس على الأهمية البالغة التي يضفيها الإسلام على ضرورة الاقتناع والاعتقاد باليوم الآخر ، لأن الاعتقاد باليوم الاخر اعتقاد بكشف الحساب أمام الله تعالى ، وبأن الإنسان حين يعمل ويتصرف في هذه الدنيا فهو مسؤول ، وما لم يشعر الإنسان بالمسؤولية الحقيقية والمسؤولية الحقيقية هي المسؤولية أمام الله ، ليست النقد ولا النقد الذاتي وليست المسؤولية أمام القاضي وليست المسؤولية أمام أية هيئة حكومية . فكل هذه الجهات نستطيع أن نتلاعب بها ، ونستطيع أن نمرر عليها تزييفنا وتمويهنا للأمور ، ولكن هناك حينما يقف الإنسان أمام الله تبارك وتعالى لا تزييف ولا تغطية ، وإنما هو انكشاف كامل ، يُحصّل ما في الصدور ، ولا يستطيع الإنسان أن يخفي شيئًا ، وإذا حاول الإخفاء شهد عليه سمعه وبصره وجلده ( وقالوا لجلودهم لمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) .

فلا يمكن أن تستقيم حياة الإنسان على الجادة الصحيحة ، لا سيما الجادة ذات التكاليف والتي هي جادة الإسلام لمجرد أن يوكل الإنسان إلى ضميره ، ولمجرد أن يُترك لوجدانه ، ولمجرد أن يُترك لرقابة المحاكم ولسطوة القانون وسلطان الدولة ، لا يمكن أن تستقيم الحياة على هذا ، وإنما لا بد من أن يستقر في وعي المسلم وفي ضمير المسلم أن الحساب الكامل سوف يؤدى أمام الله تعالى ، وأن ذلك سوف يكون يوم القيامة . ومن هنا يأخذ اليوم الاخر أهميته الكاملة في نظر الإسلام .

أرجو أن يكون الكلام الذي قلته لكم الآن آخر ما أتحدث به عن اليوم الآخر في هذه السورة ، وأرجو أن يكون هذا الكلام حافزًا لنا جميعًا لكي نزداد رسوخًا ويقينًا بإحاطة علم الله تعالى فينا ، وبأنه تبارك وتعالى سوف يقفنا في يوم لا مردّ له من الله ، وسوف يسألنا ، فلينظر امرؤ كيف تكون حجته يوم تبلى السرائر وينكشف المخبوء ويكون باطن الإنسان كظاهره ؟ اللهم غفرًا واللهم سترًا ، اللهم لا تهتكنا على روؤس الأشهاد ، وكما سترتَ في الدنيا فاستر علينا في الآخرة وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت