فهرس الكتاب

الصفحة 6788 من 27345

ولقد كان القرآن حكيمًا جدًا في استخدام هذا السلاح ، مضى يستخدم سلاح اللغة فيعرض لليوم الآخر ، ويعرض لأفانين أخرى مما جاء به هذا الإسلام هداية للناس وإرشادًا وإنقاذًا مستخدمًا هذا السلاح الفعّال ، ولكنه سلاح واحد . سلاح ينقل إليك الحقيقة ، وسلاح يثير أمامك وبين جنبيك هذا الانفعالات التي تمهّد ساحة النفس لقبول القناعات الجديدة .

هل اكتفى القرآن بهذا في موضوع اليوم الآخر ؟ لا ، القرآن أيضًا سلك من أجل تقرير هذه الحقيقة لما يعطيها من أهمية شرحناها من قبل مسالك أخرى ، سلك مسلك النقاش والحجاج فأبان لهذا الإنسان العاتي المتجبر ، أبان له أنك أيها الإنسان إذا كنتَ تستكثر أن تُبعث بعد الموت فما أنت ؟ ما أنت في هذا الكون الهائل الكبير ؟ أنت هباءة تائهة تافهة لا تشكل شيئًا ولا تُعجز القدرة لا في قليل ولا في كثير ، الذي خلق السماوات والأرض والذي رتّب هذا الكون عاجز عن خلقك ؟ والذي خلقك عاجز عن إعادتك ؟ كان يقول لهم: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس . وكان يقول لهم ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) وإلى آخر هذه المناهج الحجاجية التي كان القرآن يقودها معهم . ومع ذلك فالقرآن أيضًا عرض ، وأبادر فأقول إن هذه الأمور نافعة بالنسبة إلى الذين يعاينونها ويرونها وتحصل أمامهم ، وبالنسبة للمؤمنين ، عرض القرآن وقائع تقرأونها في القرآن كدلائل حسية وواقعية على إمكان قيامة الأموات ، اقرأوا مثلًا في سورة البقرة ( ألم ترَ الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضلٍ على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) قبائل من الناس وضع الطاعون أو المرض في بلادها ففرّت من هذا البلد خوفًا من الموت ، فلما كانوا في الطريق قال لهم الله موتوا ، ثم أحياهم ، لكي يوقنوا بأن الله قادر على الإماتة في كل مكان وفي كل زمان ، ثم هو قادر على الإحياء .

وفي نفس السورة عرض الله تعالى قصة الذي مرّ على قرية قال ( أو كالذي مرّ قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) أحياه ( قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) طعامك وشرابك بقي على حالهما بعد مائة عام ، لم يتطرّق إليهما الفساد ولم تتغيّر لهما رائحة ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحمًا ) تبيّنوا قدرة الله وتصوروا ، إنسان يركب حمارًا ويمشي في الطريق ، يمر ّ على قرية خاوية ، لا ناس فيها ، مهدمة البيوت ، خاوية من الأحياء ، ويتساءل من خلال خاطرة مرّت على باله ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) بعد هذا الخراب والدمار الشامل ، هل من المعقول أن تقوم الأجساد مرة أخرى ؟ فيأتيه قدر الله ويميته ميتة واحدة مائة عام ثم يبعثه ، يركب الحمار ، الحمار يبلى ، يذهب اللحم ويتقطع العصب ويتفسّخ اللحم عن العظام ويكون رمة من الرمم ، بقية من بقايا حيوان ، معه طعام وشراب ، كذلك الطعام والشراب في مكانهما لا يصيبهما تغيّر ، ولا يدركهما فساد أبدًا ، ثم يبعثه الله ويسأله ( كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يوم ) كأنما يتصورها نومة ضحوة أو نومة عصر ، يقول الله له ( بل لبثت مائة عام ) انظر .. هذا طعامك وشرابك على حالهما لم يتغيرا ، ولكن انظر إلى حمارك ، اليد في مكان والرجل في مكان والرأس في مكان ، اللحم لا لحم والجدل لا جلد ، وإنما هي كومة من عظام ، ثم يأمرها الله بأن تحيا ، فترى العظام تقفز وترى اللحم يأتيها فيكسوها ، ثم يتكامل الحمار عضوًا فعضوًا حتى يستقل كائنًا حيًا ، فلما يكون ذلك يقول هذا الذي تساءل ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) يقول ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

ويقصّ الله تعالى أيضًا قصة إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء وشيخ الأنبياء جميعًا ، الإنسان الموقن عظيم الإيمان بالله تعالى ، ومع ذلك يقول الله تعالى عنه ( وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ) إبراهيم يسأل ، لا يسأل الله: هل تستطيع أن تحيي الموتى ولكن يريد أن يعرف الصورة كيف تحيي الموتى ؟ يسأله الله ( أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إليك ثم اجعل على كل جبل منهم جزءًا ثم ادعهن يأتينك سعيًا واعلم أن الله عزيز حكيم ) ويذهب إبراهيم فيأخذ أربعة من الطير يذبحهن ويوزع أشلاءهن على أربعة جبال ، ثم يقول لهن: تعالين ، فيأتينه سعيًا يتفجّرن حياةً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت