فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم ينقلك المشهد إلى الموقف العظيم الهائل ، موقف السؤال وموقف الحساب بعد أن بطلت الدنيا وبطلت أشياء الدنيا ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) حينما كان القرآن يُقرأ على العرب على هذا النحو ، كانوا يتحركون به ويتأثرون به ويعيشون هذه المشاعر ، قد لا يؤمنون بهذه القيامة على النحو الذي عرضه القرآن ، ولكنهم بما هم أهل اللسان وأرباب اللغة كانوا يحسون ويدركون جيدًا إيحاءات هذه اللغة وإشعاعات هذه اللغة . وهنا لا بد أن نشير إشارة عابرة إلى أن من أكبر الجنايات على هذه الأمة ، ومن أضخم المؤامرات التي تدبّر لاغتيال حاضر ومستقبل هذه الأمة المؤامرت الخبيثة على لغتها الفصحى ، فالمبشرون والمستشرقون وأبالسة اليهود وغلمانهم الذين يعيشون بين المسلمين ممن تتلمذوا على أيديهم وحملوا مبادئهم وأفكارهم وأهدافهم من بقايا الصليبية الغابرة ونبت الصليبية الجديدة التي تتحرك اليوم في ديار المسلمين ، صليبية واضحة مكشوفة في لبنان ، وصليبية تتردى رداءً اليهودية في فلسطبين ، وصليبية أخرى هي أشد وأنكى تلبس ثياب الماركسية تتزيا بزي التقدمية .. كل هؤلاء يشكلون تيارًا واحدًا جارفًا له غرض واحد ، أن يقضى على هذه اللغة الفصيحة الشريفة التي نزل بها القرآن ، وأن تحل محلها اللغات واللهجات العامية ، كي يبتعد الناس عن القرآن ، ولعمري إن أعظم خدمة يقدمها الإنسان المسلم اليوم لأمته ولدينه ولمستقبله هي أن يعض بالنواجز على هذه اللغة الفصيحة الشريفة ، وأن لا يقرأ إلا بها ، وألا يتحدث إلا بها ، وواجبه الأول والأخير أن يقرأ باستمرار كتابها الأول وكتابها الأمثل كتاب الله تبارك وتعالى .
كان الإنسان العربي يا إخوة يسمع الآية والآيتين من كتاب الله جلّ وعلا ، فإما أن ينقاد ويزعن ويسلم ، وإما أن يتفلّت ويتأبى وينصرف كما يفعل الكافر المعاند . كم من المسلمين آمنوا إعجابًا بشخصية محمد صلى الله عليه وسلم ؟ هم قلائل ، هم فقط الذين اتصلوا به وعرفوه وأسَرَتْهم شخصيته الكريمة ، وأما الآخرون فإنما أسلموا انبهارًا بهذه الآيات التي تتلى من كتاب الله تعالى . تسأل لماذا ؟ هل لهذا القرآن كل هذا السحر ؟ هل هو قادر على أن يمارس أسْرًا كهذا على النفوس ؟ نقول: نعم . ولكن الجناية جناية الزمان ، بيننا وبين اللسان في فصاحته ونقاوته أربعة عشر قرنًا ، في ذلك التاريخ كان العربي يتكلم الفصحى كما تتكلم أنت العامية ، كانت لغته ، وحين نقول إنها كانت لغته فإنما نعني أنها كانت حياته بكل معنى هذه الكلمة ، لغة الإنسان ، كلام الإنسان ، عنوان حياته ، ترجمة أحاسيسه ، تعبير عن جمّاع وجوده كله ، ولهذا فالكلمة التي يسمعها الإنسان بلغته الأصلية وهو سليم السليقة مستوي الفطرة تحرك منه أعمق أعماق الوجدان . ولكننا نحن اتخذنا العامية عن الفصيحة بدلًا فبعدت الشقة بيننا وبين التأثر بهذا الكلام ، سمع الوليد بن المغيرة وهو من سادات قريش بعضًا من القرآن يتلوه محمد صلوات الله عليه فتأثر له ، وما له لا يتأثر ولا يرق وهو ابن اللسان ؟ فلما رأيت قريش منه ذلك قالوا: صبأ والله الوليد ، والله لئن صبأ لتصبأن قريش كلها . فذهب إليه أبو جهل يسعى ، قال له: إن قومك لا يرضون منك إلا أن تقول في القرآن قولًا يرضونه ، يعني أن تذم القرآن وأن تهجو القرآن ، قال: ماذا أقول فيه ؟ والله ما منكم أحد أعلم مني بأفانين القول ولا بالشعر ، هزجه ورجزه ، والله لقد سمعنا سجع الكهان وشعر الشعراء ، والله ما يشبه كلام محمد شيئًا من هذا ، والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى عليه . شهادة إنسان يتذوق الكلام ويتأثر بالكلام ويعرف مقدار مضاء سلاح الكلام ، ولكنه إنسان كافر . قال له أبو جهل: إن قومك لا يرضون بهذا . قال: فدعني أفكر ، فلما انتهى من تفكيره قال: إنه سحر يؤثر ألا ترونه يفرق بين المرء وزوجه وولده ومواليه ؟ ونزل القرآن بهذا على نحو مما مرّ معنا في سورة المدثر .
هذه الواقعة تشهد أن سلاح اللغة إذا استخدم على النحو الصحيح سلاح ذو فعالية ، ولكنه سلاح يفقد كل معناه حينما نسخره لغايات بعيدة عن نطاق الحق ، لا يمكن مثلًا أن يكون سلاح اللغة فعالًا في مجال الباطل ، ولكنه يكون فعالًا في مجال الحق ، لسبب بسيط ، وهو أن اللغة تعبير عن الفطرة ، تعبير عن الحياة وعن الوجود الإنساني ، ترجمة لهذا الوجود ، والوجود له احتياجات ، كيف ترون الكون كله قائم على الحق وبالحق ؟ فكذلك الوجود الإنساني في صفائه وفي نقائه وفي فطرته الأساسية لا يتلاءم إلا مع الحق ومع أساليب الحق .