وذكر ابن جرير في تفسيره أن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها في الجاهلية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أقم بينتك"، قال الرجل: ليس يشهد لي أحد على الأشعث، قال:"فلك يمينه"، قال الأشعث: نحلف، فأنزل الله قوله: ?إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [ آل عمران: 77] .، ففعل الأشعث وقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق، فرد إليه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة"."
وفي صحيح مسلم وأبي داؤود والترمذي عن وائل بن حجر، قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرضٍ كانت لأبي، قال الكندي: هي أرض كانت في يدي أزرعها ليس له فيها حق!، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للحضرمي:"ألك بينة؟"، قال: لا، قال:"فلك يمينه"، فقال: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء، فقال:"ليس لك منه إلا ذلك"، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أدبر:"لئن حلف على مال ليأكله ظلمًا ليلقين الله وهو عنه معرض"وفي رواية أبي داؤود:"فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يقتطع أحد مالًا بيمين إلا لقي الله وهو أجذم"، فقال الكندي: هي أرضه."
وأخرج الحاكم وصححه عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة".
وفي صحيح مسلم والنسائي وغيرهما عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة"، قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟، قال:"وإن كان قضيبًا من عراك ثلاثًا".
وفي صحيح البخاري عن أبي مليكة: أن امرأتان تخرزان في بيت فخرجت إحداهما وقد أُنفذ بإشفي في كفها ـ وهو المثقب الذي يخرز به- فادعت على الأخرى، فرفعا إلى ابن عباس ، فقال ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لو يعطه الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم"، ذكروها بالله، واقرأوا عليها:? ِإنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [ آل عمران: 77] . فذكروها فاعترفت.
وفي الحديث الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما يقتطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة".
بهذه الطريقة الربانية الإيمانية كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يربي النفوس ويسوسها ويبني قيم الإيمان والخوف من الله في تلك القلوب، فترق وتخشع وتستجيب وتعترف بالحق وتنصف من النفس.
فأين نحن اليوم من هذا المنهج السديد الرشيد وأين منه الحكام والقضاة ؟ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين؟
ألا إن الخوف من الله والإيمان بوعده ووعيده هو طريق النجاح والفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة ، خوف الله هو عربون النصر والتمكين وإهلاك الظالمين، قال تعالى: ?وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ? [ إبراهيم: 13-14] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي سيد المرسلين.
الخطبة الثانية:
لو أن يهوديًا قتل في مكان ما من الأرض لتحركت الدنيا لمقتله ونددت وسائل الإعلام بهذا العمل ، وتحركت العواصم لإدانته، والأمم المتحدة ومجالسها تستنكر؟ كل ذلك لمقتل علج يهودي!
أما أن تباد أمة وأن يسحق شعب ويعتدى عليه، أما أن يقتل الآمنون الأبرياء وتقصف المدن ويباد الآلاف ويشرد شعب بأكمله فمسألة فيها نظر!؟ لماذا لأن الضحايا مسلمون والمسلمون لا بواكي لهم، هانوا على الله فهانوا على الناس!!