فهرس الكتاب

الصفحة 9975 من 27345

كما قال الله تبارك وتعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) ، [13] قال الإمام القرطبي:"قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله) دليلٌ على أنّ الشهادة لعُمّار المساجد بالإيمان صحيحةٌ؛ لأنّ الله سبحانه ربطه بها، وأخبر عنه بملازمتها". [14] وقد ذكر سيّد قطب في تفسير: (وأنّ المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا) أنّ هذه الآية"توحي بأنّ السجود ـ أو مواضع السجود وهي المساجد ـ لا تكون إلا لله؛ فهناك يكون التوحيد الخالص، ويتوارى كلُّ ظلٍّ لكل أحدٍ ولكل قيمةٍ ولكلّ اعتبار، وينفرد الجوّ، ويتمحّض للعبوديّة الخالصة لله، ودعاء غير الله قد يكون بعبادة غيره، وقد يكون بالالتجاء إلى سواه، وقد يكون باستحضار القلب لأحدٍ غير الله". [15]

ولا ريب أن بيوت الله تعالى تشتمل على أعظم معاني الأخوة في الله، فقد جمع الله قلوبهم على محبة بيوته وجعل قلوبهم تهوي إليها آناء الليل وأطراف النهار (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) [16]

وإن نسيت لا أنسى موقفًا دمعت فيه العيون لأحد المؤذنين وهو يغادر الخرطوم إلى قرية نائية؛ فطفق يودع المصلين ودموعه تسيل على خديه وهو يترك بيتًا من بيوت الله قد تعلق به قلبه ، وأفنى فيه عمره ، وعرف فيه رجالًا صالحين ؛ فسبحان من ألف بين قلوب أهل المساجد على هذا الدين ( لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم )

القاعدة السادسة: نشر العقيدة السليمة وتصحيح ما يعتريها من الخلل

وذلك لأنّ العقيدة الصحيحة أساسُ هذا الدّين؛ فإذا فسدت العقيدة ضاع العمل كلّه، كما قال تعالى: (أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خيرٌ أمّن أسّس بنيانه على شفا جُرُفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنّم) . [17] ورحم الله صاحب الظلال فقد أدرك هذا المعنى، وعبّر عنه بأحسن عبارةٍ في قوله:"إنّ العبادة تعبيرٌ عن العقيدة؛ فإذا لم تصحّ العقيدة لم تصحّ العبادة. وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح، والعمل الواقع الصريح، وبالتجرّد لله في العلم والعبادة على السواء؛ (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) ! والنص على خشية الله وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر لا يجيء نافلةً؛ فلا بد من التجرّد لله، ولا بد من التخلّص من كلّ ظلٍّ للشرك في الشعور أو السلوك". [18]

القاعدة السابعة لعمارة المساجد: التربية على الزهد في الدنيا والتعلّق بالمساجد

وقد نصّ المفسِّرون على هذا المعنى، كما ذكر القرطبي رحمه الله أنّ قوله تعالى: (لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله) ثناءٌ على من لم تشغلهم التجارة والبيع عن الصلاة، وقال:"خصّ التجارةَ بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة". [19] وقال ابن كثير:"قوله تعالى: (رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله) كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) الآية، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) الآية، يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربّهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أنّ الذي عنده هو خيرٌ لهم وأنفع مما في أيديهم؛ لأنّ ما عندهم ينفد، وما عند الله باقٍ". [20]

وقد عرفتُ رجلا من الصالحين أقعده المرض عن المسجد أسبوعين؛ حتى إنه ما كان يقدر على حضور الجمعة؛ فعدته في مرضه، فقال: والله إنّ غيابي عن المسجد شديدٌ على نفسي؛ حتى إنه أشدّ على قلبي مما أجده من آلام المرض؛ فقلتُ: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ورجلٌ قلبه معلّقٌ بالمساجد) !

القاعدة الثامنة لعمارة المساجد: كثرة الذّكر والتسبيح

ولله درّ الحافظ ابن كثير، فقد قال في تفسير قول الله تبارك وتعالى: (يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال رجالٌ لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله) [21] :"قوله تعالى (رجالٌ) فيه إشعارٌ بهِمَمِهم السّامية، ونيّاتِهم وعزائمِهم العالية؛ التي بها صاروا عُمّارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه) [22] الآية". [23] ولا يخفى على القاريء اللبيب اللفتة البارعة في كلام ابن كثير إلى العلاقة ما بين الرجال الذين (لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله...) ، والرجال الذين (صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبَه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا) ! وهو ما يتعلّق بالقاعدة الآتية.

القاعدة التاسعة للعمارة: نشر العلم النافع والعمل الصالح، والجهاد في سبيل الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت