و قد أصاب من قال في توجيه قول خليل الرحمن عليه السلام في الكواكب: المعنى هذا ربي على زعمكم ; كما قال تعالى: ( أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) [ القصص: 74 ] . و قال: ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) [ الدخان: 49 ] أي عند نفسك ، كما رواه القرطبي في تفسيره ، و الله أعلم .
و لا وَجه أيضًا لاستدلال من جوّزَ التظاهر بالكفر لإنقاذ أسير مسلمٍ بما ثبت في قصّة قتل كَعبِ بن الأشرف على يد محمّد بن مسلمة رضي الله عنه التي رواها الشيخان و غيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( من لكعب بن الأشرف ، فإنه قد آذى الله و رسوله ) ، فقام محمد بن مسلمة ، فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال: ( نعم ) ، قال: فأذن لي أن أقول شيئا . قال: ( قل ) ، فأتاه محمد بن مسلمة ، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة ، و إنه قد عنانا ، و إني قد أتيتك أستسلفك ، قال: و أيضا و الله لتَمَلُّنَّهُ . قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ، و قد أردنا أن تُسْلِفَنا وَسَقًا أو وَسَقَيْن ... الحديث .
فهذا الحديث ـ على فَرَض التسليم بأنَّ ما قالَه محمّد بن مسلمة كفرٌ ـ لا دليل فيه على تجويز التظاهر بالكفر لإنقاذ أسير أو نحوه ، بل غاية ما يدلُّ عليه هو جواز التظاهر بالكفر لتخليص الأمّة من طاغوت أو رأسٍ من رؤوس الكفر ، و هذا لا إشكال فيه ، بل هو من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدرء أعظمهما ، إعمالًا للقاعدة الفقهيّة: ( إذا تعارضَت مفسدتان روعيَ أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفّهما ) و للبحث في هذه الجزئيّة من مسائل التظاهر بالكفر مقام آخر يطول فيه الكلام .
و الخلاصة أن التظاهر بالكفر لا يجوز إلا للمكرَه ، و من توسّع في هذا الباب يعوزه الدليل ، مع أنّ الصبر على البلاء ، و عدَم الرضوخ إلى الإكراه المفضي إلى التلفّظ بالكفر ، أو العمل به - ظاهرًا - هو الأولى لما رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، أنّه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم: ( أن لا تُشرك بالله شيئًا و إن قُطعت أو حُرِّقت ) ، و هذا حديث حسنٌ بشواهده .
و أختم - تتميمًا للفائدة - بقول الشيخ محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله عقب تعداد نواقض الإيمان: ( و لا فَرق في جميع هذه النواقض بين الهازل ، و الجادّ ، و الخائف ، إلاّ المُكرَه ) ، و قال رحمه الله أيضًا: ( أعظَم أهل الإخلاص ، و أكثرُهُم حَسَنات ، لو يقول كلمة الشرك مع كراهيته لها ، ليقود غيره بها إلى الإسلام حبِطَ عَمَلُه ، و صار من الخاسرين ، فكيف بمَن أظهَر أنّه منهم ، و تكلّم بمائة كلمة لأجل تجارة ، أو لأجل أنّه يحُجّ لمّا مُنِعَ الموحّدون من الحجّ ) [ الدرر السنيّة: 1 / 127 ، 128 ] .
هذا ، و الله الموفّق ، و هو الهادي إلى سواء السبيل .
و الحمد لله ربّ العالمين .