فهرس الكتاب

الصفحة 15652 من 27345

وإن من الدروس العظيمة التي ينبغي أن يعيها المسلمون وهم يمرون بأخطر هجمة يهودية صليبية حيث يجندون العالم كله لاستئصال الإسلام والقضاء على المسلمين ومطاردتهم في كل أرض. هذا الدرس هو أن هذا الدين الذي أكرمنا الله به ورضيه لنا دينًا هو السياج الحامي لكل حق في الأنفس والأموال والأرض والحرية والكرامة، إذا حفظ الدين حفظت النفس وحفظ المال والثروات ، بصدق العقيدة تحفظ الأرض ويحفظ الأهل.

أيها المؤمنون: تهجر الأوطان ويضحى بالنفوس والمهج والثروات من أجل الحفاظ على الإيمان بالله ورسوله. إن درس الهجرة ليؤكد لنا بكل وضوح وجلاء أن التفريط في العقيدة مآله هلاك النفوس وخراب الديار. إذا فقد الدين فلن يغني من بعده وطن، ولا مال، ولا أرض. وإن من سنن الله الثابتة أن القوى المعنوية هي الحافظة للقوى المادية. العقيدة والأخلاق والتربية القويمة هي الوسائل الصحيحة للحصول على المكاسب العليا والحفاظ عليها. إن الهجرة في غايتها فرار بالدين وتلمس لطرق النصر وأمل في حصول الفرج وسعي إليه. إن ترك الديار والأوطان وهجرها والخروج منها فيه مشقة على النفس، إن ترك الدُّور والإخراج منها قريبة من القتل كما قال تعالى:

? وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ? [النساء: 66] .

ولكن الله تعالى وعد المجاهدين في ذاته والمهاجرين في سبيله بالنصر والظفر في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة كما قال تعالى: ? وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ? [النساء: 100] .

وقال عن المرتد عن دينه الذين الذي لا يصمدون أمام المحن والفتن. ? لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ ? [النحل: 109] وأثنى سبحانه وتعالى على الثابتين على دينهم والقابضين عليه على الرغم من كل أجواء الفتن والمحن فقال: ? ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ? [النحل:110] وقال: ? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ? [العنكبوت:69 ] .

الخطبة الثانية:

وإن من دروس هذه الهجرة المباركة كذلك التي ينبغي أن يعيها المسلمون جيدًا هو أن الظلم والطغيان مهما اشتد وتناهى فإنه إلى انتهاء واندحار ، فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يستسلم للباطل أو أن يدب اليأس والقنوط إلى نفسه. وإنما عليه أن يصبر ويصابر وأن يأخذ بالأسباب المتاحة أمامه معتمدًا في ذلك كله على ربه وخالقه لاجئًا إليه متوكلًا عليه مفوضًا الأمور كلها إليه جل وعلا. فإن من توكل على الله كفاه، ومن لاذ به حماه، ومن استنصر به نصره ووقاه وإن خذله أهل الأرض أو كادوا به وفي هذه المعاني يقول الله عز وجل منوهًا بهجرة نبيه صلى الله عليه وسلم وبصاحبه وخليله أبو بكر: ? إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [التوبة:40 ] .

أيها الناس: بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، فإن فتنًا كقطع الليل المظلم تدع الحليم حيرانًا، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا ، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا ، لقد رأينا والله في زمننا من يبيع دينه وعرضه ووطنه وبلاده لليهود والنصارى بثمن بخس حقير قليل.

فعلى المسلم أن يتقي الله وأن يصبر ويثبت على دينه حتى يلقى الله.. واعلموا أن أمامكم أيامًا فاضلة كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يخصها بصيام ويحث على صيامها ، إنها عاشوراء ويوم قبله أو يوم بعده مخالفة لليهود، وفي هذا اليوم الأغر العاشر من محرم أهلك الله فيه طاغية من أعظم الطواغيت الذين ظهروا على مسرح الحياة إنه فرعون وجنده وأنجى الله بني إسرائيل من العذاب المهين الذي عاشوه ردحًا من الزمن ، وفي القرآن الكريم بسط لقصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه.. ثم كانت النهاية التي تنتظر كل جبار عنيد يستعلي في الأرض ويضطهد المستضعفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت