وفي ماء من ماء المسلمين تزاحم غلام لعمر بن الخطاب وغلام رجل من الأنصار ، وصاح المهاجري: ياللمهاجرين . وصاح الأنصاري ياللأنصار . وسمع النبي عليه الصلاة والسلام وقال: دعوها فإنها منتنة .
وفي المدينة المنورة يجلس المسلمون وبعد أن منّ الله عليهم بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم كإخوة يتحادثون ويضحكون ويذكرون ما كانوا عليه من أمر الجاهلية من الشر والهوان ، ويحمدون الله على أن أراحهم منها . ومر شاث بن قيس اليهودي وكان شيخًا قد عتى في اليهودية فرأى ما عليه المسلمون من ألفة واجتماع وقال: والله لئن اجتمع جمعهم فليس لنا بها من قرار . وجاء إلى غلام من اليهود يحفظ مقالة الأوس والخزرج من الأشعار في حرب بعاث وهي حرب كانت بين الحيين في الجاهلية وألغاها الإسلام ، وقال له: اذهب إلى ذلك الملأ فأنشدهم بعضًا مما قالوا في حروبهم . وذهب الغرم اليهودي ينشد وثارت النخوة الجاهلية في الرؤوس وكاد الإسلام يحني رأسه ، وكاد الإيمان ينحسر ويتراجع ، وثار الحيان وتواعدوا الحرّة لكي يقتتلوا ، وسمع رسول الله عليه الصلاة والسلام وجاء مغضبًا يجر رداءه جرًا كأنما فقئ في وجهه حب الرمان يقول: الله الله يا عباد الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ فما كانوا يسمعون كلام رسول الله حتى سقطت السيوف من أيديهم وعرف القوم أنها نزغة من نزغات عدوهم وأقبلوا يبكون ويتعانقون .
نحن لا ننكر على الإنسان شرط الإنسانية ، ولا ندعي أن الإنسان ملك من ملائكة الرحمن ، لا يعصي ولا يزل ولا ينحرف ، ولكنا نقول كما قال الله ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) الإنسان يخطئ وكل ابن آدم خطاء ، كلنا تحت الخطأ والصواب ، إن القضية فرق بين الإنسان المسلم والإنسان غير المسلم ، أو الإنسان المؤمن والإنسان المنافق ضعيف الإيمان ، أن المسلم إذا أخطأ يرجع ويتوب من قريب ويستغفر الله ويصلح ما أخطأ ، والإنسان المنافق تأخذه العزة بالإثم ويرى أنه حينما يسمع كلمة جارحة قد أهين إهانة لا يمحوها إلا الدم ، بل لا يغسلها دم إنسان واحد ، لا بد من دماء العديد على نحو ما كانت الجاهلية حينما كان يُقتل القتيل فيقال له: ذق بشعث كعب كليب ، أي أن الإنسان الذي قُتل لا يساوي أكثر من الخيط الذي كان كليب يربط به نعله .
وقد سوى الله من حيث القيمة ومن حيث التكريم بين أرواح الناس ودمائهم ، وجعل هذا الشعور البغيض المقيت بقية من أمر الجاهلية ويجب أن ينتهي . وفي بلدنا هذا نازع يقف وراءه عدد قد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وإنما يملي لهم في هذا الطريق الوبيئ سكوت ، ولو أن كل أحد أدرك واجبه حق الإدراك لحشى أفواه الناس بأحذيتهم ووقّفهم عند حدودهم لأنهم يلعبون بالنار . إن الأمر لم يعد أمر حزم ، وإن الاستعراضات التي حدثت أول أمس تحمل معنى الاستفزاز ، وأنا أقول بملء الفم وأرجو أن يبلغ هذا كل إنسان ، إن أشياء من هذا النوع ينبغي أن لا تكون ، ونحن نعيش على فوهة بركان فإن أي تصرف غير محسوب قد يؤدي إلى كوارث ودماء وإلى إزهاق أرواح أبرياء ، يا معشر السفهاء دعونا نعيش بهدوء ، إنك إن لم تتصرف تصرف أناس مسلمين ، فعلى الأقل تصرف تصرف الشرفاء . إن هذا واجب يجب أن يحمله كل إنسان ، إن علاقة الناس بعضهم ببعض مقدسة ، لا يقل أحد: عشيرتي وقومي ، إن عشيرتك وقومك لن تنفعك شيئًا ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) وإن الله تعالى أخبرك أن كل خلة تنقلب يوم القيامة عداوة إلا إذا كانت مؤسسة على تقوى من الله جل وعلا إذ يقول ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) نحن لا نملك أبدًا أن نسكت على هذه الظواهر ، ونهيب بكل عاقل في هذا البلد وبكل إنسان يستطيع أن يقدم لنا يد العون أن يضعوا وجائبهم نصب أعينهم . إن حياة الناس ليست ألعوبة بين أيدي السفهاء ، وإذا كان في هذه المدينة من لا يعرف أن يعيش إلا على المشاكل وإلا على الدماء فيجب أن يُفهم أنه صغير وأنه حقير وأن حياة الناس أعز وأمنع من أن ينالها هذا السفيه .
يا أخوتي هذا الكلام قلت مثله قبل اليوم ، وأرى اليوم أن أقول ، أرى أن أذكر من جديد ، إننا نعالج أمرًا عظيمًا جدًا ، نعالج أمر الإسلام ، وقضينا عشرات السنين ونحن نعالج أمر الإسلام ، فإذا عجزنا على أن نتغلب على نوازع ذاتية وفردية كامنة في النفوس فنحن عن معالجة شؤون المجتمع أعجز ، ونحن عن حمل الرسالة الكبيرة أعجز ، ومع ذلك وبرغم كل المثبطات وبرغم كل ما في الجيب مما يدعو إلى اليأس وعدم الثقة بالنجاح والفلاح فنحن نلجأ جميعًا إلى الله ، إلى الله جل وعلا الذي بيده أن يغير الأحوال وأن يقلب القلوب على خوفه وأن يصرفنا في تقواه ، وأن يستعملنا في طاعته ، وأم يجعلنا خيّرين نافعين مسلمين حقًا .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .