فهرس الكتاب

الصفحة 20952 من 27345

قال الطبري: وحين أعرضوا عن تصديق الرسل، ثقب ذلك السدُّ الذي كان يحبس عنهم السيول، ثم فاض الماء على جناتهم فغرَّقها، وخرَّب أرضهم وديارهم // كل ذلك لأنهم أعرضوا عن الله / لأنهم جحدوا نعمه ولم يشكروا فضله / وصدق الحكيم العليم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ولا أقل {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا} ذلك الجزاء الفظيع الذي عاقبهم به إِنما كان بسبب كفرهم {وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ}

ومن تمام ما أنعم الله به عليهم أن جعل بين بلادهم بلاد سبأ وبين القرى الشامية التي بارك الله فيها للعالمين قرى متواصلة من اليمن إِلى الشام، يُرى بعضها من بعض لتقاربها، ظاهرة لأبناء السبيل / وجعل السير بين قراهم وبين قرى الشام سيرًا مقدرًا من منزل إِلى منزل، ومن قرية إِلى قرية وقال لهم سيروا بين هذه القرى متى شئتم لا تخافون في ليل ولا في نهار قال الزمخشري: كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام، لا يخاف جوعًا ولا عطشًا ولا عدوًا، ولا يحتاج إِلى حمل زاد ولا ماء، وكانوا يسيرون آمنين لا يخافون شيئًا قال سبحانه ( وجََعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا ءامنينَ

ولكن المترف يتملل من عيشته / ويبطر بالعافية / ويسأم من الراحة فقال الله عنهم {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}

هكذا قابلوا النعم ، فطلبوا من الله أن يباعد بين قراهم المتصلة ليمشوا في المفاوز ويتزودوا للأسفار، فعجَّل الله إِجابتهم بتخريب تلك القرى وجعلها مفاوز قفارًا {وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} نعم ظلموا أنفسهم بكفرهم وجحودهم النعمة فجعلهم الله أخبارًا تُروى للناس بعدهم / وفرقهم في البلاد شذر مذر / خرَّب الله ملكهم، وشتَّت شملهم، ومزَّقهم شرَّ ممزَّق، وجعلهم عبرةً لمن يعتبر / هكذا حكى الله حالهم { فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ،

والقرآنُ الكريم، حين يعرضُ بوضوحٍ وجلاء، مآلَ تلكَ القرى، الظالمِ أهلُها، ويقررُ أنَّ ما أصابهَم، هو بسببِ ما اقترفتُه أيديهِم، من التمردِ والجحود، ونكران الجميل، حين يعرضُ القرآنُ ذلكَ كله ، فهو إنما يخاطبُنا نحن الحاضرين، ويخاطبُ غيَرنا، حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها، يحذرُنا أن نقعَ في ذاتِ الخطأ، الذي وقعوا فيه، فنؤولُ لذاتِ المآلِ الذي آلوا إليه، ويحل بنا ما جل بمن كان قبلنا

إخوة الإيمان ونحن ولله الحمد والشكر ممن قد حبانا الله بنعم عظيمة، وآلاء جزيلة، وطمأنينة وراحة / أمن واستقرار بين الأهل والأولاد / سعة في المكاسب والأرزاق / وتنوع في المطعومات والمأكولات / كثرة في المكاسي والملبوسات/ سهولة في المواصلات والاتصالات / حتى وصل الحال بأحدنا أن يسحب ما يشاء من أمواله /ويدخل ما يشاء من أمواله / ويسدد ما عليه من أموال عبر وسائل الاتصال

نحن أيها الأخوة في نعم متلاحقة وفي منن متتالية نحن أحوج ما نكون إلى أن نحافظ عليها / ونربيها بالشكر لاغير هذه سنة الله في النعم ثابتة مستقرة لا تتبدل ولا تتغير ( ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) ، فإلى متى نتعامى الى متى نتجاهل وتلكم النّذر والآيات أصاب بها الله أقوامًا أنعم عليهم، فكفرت بأنعمه وجحدت فضله ، فألبسهم الله ثوب الجوع والخوف والنقص ،هذه نعم الله تترى إلينا نازلة وهاهي آثامنا ومعاصينا المخزية إليه صاعده . إن هذه الدنيا أيها الأخوة لا يغتر بها إلا غافل ولا يركن إليها إلا جاهل .كم ذكّر الناصحون السادرين فما تذكروا / وكم توالت على أهلها النذر فلم يتنبهوا/ ثم أفاقوا على أمر جاء بلا نذر سابقة ولا دلائل منذرة (فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عيهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) ، وأفاقوا على نعمهم فإذا هي ذكرى، وعلى بهجتهم فإذا هي أماني … فالأصل فينا أن نعتبر قبل أن نكون عبرة، وأن نتذكر قبل أن نكون ذكرى، والحوادث من حولنا تترى ، ومن لم توقظه هذه القوارع فمتى يستفيق

إخوة الإيمان

إن دفع هذا البلاء مرهون بصدق العودة إلى الله وشكر نعمه وتحقيق الإيمان به (فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلي حين ) . إن خير وسيلة لتحقيق ذلك الإيمان هو اللجوء إلى الله بالدعاء والتضرع والشكر علينا أن نلوذ بالله موقنين وأن ندعوه واثقين وأن تكون ثقتنا بربنا أعظم من ثقتنا بكل قوة، ويقيننا بالله أعظم من يقيننا بكل يقين

إخوة الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت