فهرس الكتاب

الصفحة 16210 من 27345

سيدي فرعون

لم أرد بكلامي هذا أن أحملك مسؤولية الماضي، ولا أن أزيد من عداء الناس لك وكراهيتهم، ولا أن أنبش في الجراح القديمة التي نريد أن نشفى منها بشكل نهائي. وإنما أردت فقط أن أنبه إلى أن الواقع المأساوي الذي نعيشه جميعا لم يكن من صناعة هؤلاء المجرمين وحدهم، وإنما كانت لك المشاركة الكبيرة فيه، ونود - الآن- نحن جميعا أن نتعاون على تركه. فمهما يكن فنحن بشر لنا أخطاؤنا ولنا قدرتنا على تجاوز هذه الأخطاء وإصلاحها، ولنا قدرة على أن يغفر بعضنا لبعض ويصفح بعضنا عن بعض، ونتجاوز كثيرا من شرورنا، ونتعاون لتحقيق مصيرنا المشترك بعيدا عن نزغ الشيطان وغرور الإنسان.

سيدي فرعون

لن يكون القاتل في غير ميادين الوغى إلا أحد المجرمين، ولن يكون الذي استباح دماء غير المحاربين إلا واحدا من الجبارين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. {ومن قتل نفسا بغير أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيي الناس جميعا}

إن لي أملا كبيرا في أن تصلك رسالتي بعد هذه القرون كلها فتتذكر وتخشى، وأهديك إلى ربك فترضى. فإني لم أيأس وأنا أكتب إليك من أن يكون لك قلب كما لكل الناس قلوب، وأن يكون عامرا بالمحبة كما هي قلوب الأسوياء، ولا أعتقد أن الذين انتخبوك قد كانوا كلهم مخدوعين فيك. ولولا ظنهم الحسن في مؤهلاتك العلمية والعقلية والخلقية لما أعطوك أصواتهم. وإني لأعلم سيدي فرعون أن هناك ظروفا موضوعية وذاتية تفرض نفسها عليك، فالتاريخ والثقافة والاجتماع والسياسة والاقتصاد وكل الجوانب النفسية المرتبطة بهذه الأشياء جميعا، تجعل انتقالك إلى تقمص أحوال مخالفيك وأعدائك وتقدير مواقفهم والتماس الأعذار لهم، بعيدا عن فكرة الثأر والرد العنيف والمعاقبة بالمثل أمورا بالغة الصعوبة، ولن ينفع حينها قول المسيح:"أحب أعداءك"ولا قول القرآن: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} ، ولا كل أقوال العقلاء والحكماء الداعية إلى الحلم والحكمة في مواجهة الطيش والعدوان. لكنني يا سيدي فرعون أراسلك رغم كل هذه الموانع التي منعت الكثيرين من مراسلتك، بعد أن يئسوا منك، لكنني لم أيأس، وكتبت إليك وأنا أخاطب فيك فرعون العظيم العادل الحكيم، الذي يقدم مصلحة البشرية جميعا على مصلحة فئة صغيرة منها،بعد أن أثبتت تلك السياسة فشلها، وتأكد أنها سبب إيقاد نار الإجرام. فرعون الذي له قيم إنسانية يدعو إليها ويبشر بها بعد أن أقامها على نفسه أولا، وعلى رأسها العدل والحرية وحقوق الإنسان والمحبة والتسامح والغفران. وأظنها كافية لرأب الصدع وإعادة الثقة وإخماد نار العداوة والبغضاء وإصلاح ذات البين بين الناس ودفع نزغ الشيطان.

سيدي فرعون

اسمح إلى أن أنتقل بخطابي إلى غريمك موسى الذي ربيته في بيتك وليدا ولبث فيه من عمره سنين وفعل فعلته التي فعل وهو من الضالين.

سيدي موسى: يا أمل المستضعفين والمقهورين والمظلومين

أحييك بأطيب التحيات الزكيات التي تليق بمقامك العالي بالله.

أعذرني سيدي إن أنا سمحت لنفسي باستدعائك للمشاركة في مدارسة مشكلة الإرهاب العالمية، واعلم يا سيدي أنك لن ترضى عن المآل الذي آلت إليه الأمور في هذا المجال وإن كانت باسم الله والدين وتحرير الإنسان.

سيدي موسى: لقد قتلت نفسا بغير حق، واعتبرت فعلك هذا من عمل الشيطان، وتبت منه وقررت أن لا تكون ظهيرا لأي من المجرمين الذين يقتلون النفس التي حرم الله بغير حق. واكتشفت يا سيدي أن ما قمت به قد ورطك فيه أحد شيعتك حتى قلت له: {إنك لغوي مبين} . لكنك يا سيدي لم تستطع أن تبقى على توبتك، وتلتزم بالعهود التي أخذتها على نفسك من عدم الرجوع إلى فعلتك ومظاهرة المجرمين من شيعتك. إذ بمجرد أن رأيت واحدا من أعدائك الذي استصرخك عليه من علمت أنه غاويك، حتى كدت تبطش به لولا أنه أرجعك هو إلى وعيك عندما قال لك: {يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} .

سيدي موسى: ليس أقوى من هذا الخطاب في ردك عن غيك وكل الذين ساروا على نهجك، فالقتل لا يمكن أن يكون سبيل المصلحين. ولن يكون القاتل في غير ميادين الوغى إلا أحد المجرمين، ولن يكون الذي استباح دماء غير المحاربين إلا واحدا من الجبارين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. {ومن قتل نفسا بغير أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيي الناس جميعا} .

إني لأعلم أنك صاحب قضية عادلة، إذ عانت شيعتك من كثير من التمييز العنصري والاستضعاف وسوء العذاب والإذلال والإهانة والتفقير والتجويع والقتل والتشريد وكل الأعمال غير الإنسانية لفترات طويلة. لكن كل ذلك لا يمكن أن يبرر قتل نفس واحدة بريئة بغير الحق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت