فهرس الكتاب

الصفحة 16211 من 27345

سيدي موسى: كدت أن ترتكب جريمة أخرى، وهو ما يعني أنك خرجت عن طورك بمجرد ارتكابك للجريمة الأولى رغم كل العهود التي أخذتها على نفسك. وإني لأعلم أنك صاحب قضية عادلة، إذ عانت شيعتك من كثير من التمييز العنصري والاستضعاف وسوء العذاب والإذلال والإهانة والتفقير والتجويع والقتل والتشريد وكل الأعمال غير الإنسانية لفترات طويلة. لكن كل ذلك لا يمكن أن يبرر قتل نفس واحدة بريئة بغير الحق. ومن يفعل ذلك فكأنه يزكي كل الإجرام الذي طرأ في حق الناس جميعا بما فيهم شيعته. كدت أن ترتكب الجريمة الأخرى لأنك ارتكبت جريمتك الأولى، فكسرت بذلك حاجز حرمة الأنفس، فلن يوقفك بعدها شيء، لأنك تحولت من طورك الإنساني إلى طور وحشي لا تحكمه قيم. وإذا قتلت النفس الأخرى صرت جبارا متوحشا متعطشا للدماء، لا يروي عطشه إلا بشربها، ولن يكون في هذه الحالة إلا خطرا محدقا بالبشرية بما فيها أقرب الناس إليه. و لا يمكن أن يكون بذلك صاحب مبدإ أوقضية أو رسالة أبدا. بله أن يكون محررا للناس.

سيدي موسى: اسمح لي إن أنا حشرتك ضمن المقتدين بك في سلوك أنت تعترف أنه من عمل الشيطان. لكنني أردت أن أقيم بك الحجة عليهم، فلا يجعلوا منك قائدا عليهم في سلوك إجرامي أنت تتبرأ منه. لقد هربت بسببه،لكن الله هيأ لك ظروفا أعاد فيها تربيتك ليعدك على عينه للدعوة والرسالة التي تحتاج إلى كثير من الحكمة والرحمة، فصرت راعي غنم في ما يقارب العقد من الزمن، حتى يلطف من أوصافك العنيفة التي تبلورت في قصر فرعون. غير أن كل ذلك قد ولى ونشأت أجيال جديدة، ربيت هي الأخرى في قصر فرعون، وتعلمت فيه كل أشكال العنف التي تعلمتها وأكثر، لكنها اعتبرت - بخلافك - عملها مشروعا، واعتبرتك قائدا لها في هذا العمل. وكونت على أساس ذلك جماعاتها الإرهابية المكلفة بالتصفية الجسدية للأفراد والجماعات، في الأماكن الخاصة والعامة، للجانين والأبرياء سواء بسواء. واعتبرت كل ذلك جهادا في سبيل الله وعملا من أعمال دينه. وفاتها أن هذا الطريق هو طريق الجبابرة الطغاة والفراعنة البغاة، وأن أصحابه لا يمكنهم أن يحملوا رسالة للناس ولا أن يكونوا مصلحين فيهم. وأحسب أن الشيطان قد زين لهم أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

واسمح لي يا سيدي إن خاطبتهم من خلالك، فإني أعلم صدق كثير منهم، وأعلم عدالة قضيتهم، وأقر لهم بحقهم في الدفاع عن حقوقهم. لكن قتل الأبرياء ما كان أبدا في يوم دفاعا عن حق، وإنما هو جريمة توازي بينه وبين ظالمه فيصير كلاهما مجرما جبارا في الأرض، محققا لمراد الشيطان في نشر العداوة والبغضاء والحقد والكراهية بين بني البشر، مغلقا كل أبواب الرجوع الممكنة إلى الحكمة والحق والإحسان.

يا سيدي: الدفاع عن الحق لا يكون إلا بالطرق الحقة المشروعة، فلا يمكنك أن تستنكر السرقة وتسرق، ولا أن تستنكر الزنا وتزني، ولا أن تستنكر قتل الأبرياء وتقتلهم أنت بغير حق تحت أي مسمى كان.

اسمح لي يا سيدي إن خاطبتهم من خلالك، فإني أعلم صدق كثير منهم، وأعلم عدالة قضيتهم، وأقر لهم بحقهم في الدفاع عن حقوقهم. لكن قتل الأبرياء ما كان أبدا في يوم دفاعا عن حق، وإنما هو جريمة توازي بينه وبين ظالمه فيصير كلاهما مجرما جبارا في الأرض، محققا لمراد الشيطان في نشر العداوة والبغضاء والحقد والكراهية بين بني البشر، مغلقا كل أبواب الرجوع الممكنة إلى الحكمة والحق والإحسان

يا سيدي: سمعنا البعض منهم يستبيح دماء جميع الناس، معتبرا نفسه في ساحة وغى، يتلذذ بسماع انفجار هنا، وأشلاء هناك، ويعتد بمقتل أطفال في مدرسة ونساء في سوق مزدحمة، ومسافرين في محطة مترو، معتبرا كل ذلك نصرا للإسلام وقضيته، وتحقيقا للعدل في الأرض ضد فرعون ومن معه.. ولست أعلم يا سيدي أكبر من هذا الهوس الإجرامي إلا أن ينسب إلى الله سبحانه وتعالى وإلى دينه.

سيدي موسى: وددت لو سمعت كلامي أنت وكل الذين ساروا على نهجك قبل توبتك، ووددت أكثر لو أنهم أعطوا لأنفسهم حق إعادة النظر في السبيل الذي يسلكونه والمآل الذي يصيرون إليه، والزاوية التي يحشرون الإسلام فيها في نظر العالمين. وأعتقد أن كثيرا منهم ما قرءوا نصوص القرآن إلا مفصولة عن سياقاتها، وأرجو أن يعيدوا قراءتها في هذه السياقات، ليعلموا أن الجهاد المسلح لا يمكن أن يكون إلا في ساحة الحرب ولرد العدوان. ولا يجوز نقله بحال إلى مواطن الأبرياء الآمنين غير المقاتلين {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم والله يحب المقسطين} ، فكيف إذا كان هؤلاء قد آووكم وأكرموا مثواكم عندما أخرجكم أهلوكم من دياركم، وجئتم من أوطانكم إليهم مهاجرين وهاربين مترقبين. منكم من يبحث عن الطعام ومنكم من يبحث عن السلام، فأطعموكم من جوع وآمنوكم من خوف.فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت