فهرس الكتاب

الصفحة 8762 من 27345

فكثيرٌ من المسلمين اليوم يشعرون أنّهم بلا فائدةٍ, فهم محبطون يائسون, متّهمون, يرون المفاهيم قد قُلبت, المجرم أصبح بطلًا, والمدافع عن نفسه وحقّه يُتّهم بشتّى الصفات الّتي تجعل منه إنسانًا مكروهًا, غيرمرغوبٍ فيه.

وهذا كلّه يُشعر المسلم بالدونية وبالانحطاط, وبفقد العزّة, وبالعجز والضعف, فتراه دائمًا في حالة الدفاع عن نفسه, وعن دينه, وعن شخصيته وقوميته. ولكن هل أراد الإسلام من هذا المسلم أن يكون بهذه الحال ؟ طبعًا لا .

ولكن هناك أسبابًا كثيرةً أوصلت المسلم إلى ماهو فيه من إحباطٍ وانحطاطٍ. فإذا أردنا أن نخلّص المسلم من حاله المزرية الّتي هو فيها, يجب أوّلًا أن نعرف أسباب هذا المرض الّذي ألّّم به, حتّى نستطيع علاجه. فلابدّ إذًا من معرفة أسباب هذا الشعور, وأسباب هذا الانحطاط .

وإذا بحثنا عن الأسباب الّتي أوصلت المسلم إلى ما هو فيه من الذلٍّ والانحطاط, هذا الحال الّذي أقعده عن العمل والسعي البنّاء, نجد أنّ هناك أسبابًا متعلقةً بالفرد المسلم نفسه, وأسبابًا متعلقةً بالمجتمع والعالم المحيط به:

أوّلًا ـ الأسباب المتعلقة بالفرد المسلم نفسه:

1ـ حبّ الدنيا وشهواتها:

عندما خلق الله تعالى الإنسان جعل من طبيعته حبّ الشهوات والمتع الدنيوية, وسعيه لامتلاك المال وتخزينه, وقد قال تعالى في ذلك:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهَوَاتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسنُ الْمَآبِ" (آل عمران:14)

ولكنّ الله تعالى, رحمةً بعباده, لم يتركهم عبيدًا لهذه الشهوات بل بيّن لهم أنّها شهواتٌ فانيةٌ لا تدوم, وأنّ المتع الحقيقية الباقية هي متع الآخرة.

وقد جاء الإسلام ليبين للمسلم هذه الحقائق, وليوضّح له أنّ الإسلام يكفل للمسلم السعادة في الدنيا والآخرة, فهو لا يحرمه مما أحلّ الله له من الطيبات, ولكنّه يحميه من الخبائث الّتي تضرّه, وبذلك فإنّه يعطيه الأمن والراحة لأنّه يحقق له التوازن بين ما تريده نفسه, وبين ما يريده الله منه وله من الخير .

ولكن هناك كثيرٌ من المسلمين فهموا من الدين غير مافيه, وسعوا بكلّ قوّتهم وبكلّ الوسائل المتاحة أمامهم لامتلاك أكبر قدرٍ من المال, ليحصلوا به على ما يحبون من الشهوات فانطبق عليهم قوله تعالى:"يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ" (محمّد:12) . لذلك فنرى كثيرًا من المسلمين:

أ ـ يشعرون بالخوف: من أشياء كثيرةً في هذه الحياة, فهم يشعرون بالخوف من الموت, ومن الأذى, ومن عدم الحصول على الرزق, ومن أشياء أخرى غير هذه . وهذا الخوف الّذي سيطر على نفوس كثيرٍ من المسلمين, جعلهم عبيد غيرهم, فتسلّط عليهم من لا يرحم, واستغلّ هذا الخوف في نفوسهم, وتحكّم بهم وبحياتهم ومصائرهم فأحسّ كثيرٌ من المسلمين بفقد العزّة, وعدم احترام الذّات, وقد نسي معظمهم قول الله سبحانه وتعالى:"فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الّذي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" (قريش:3, 4) .

وكلّما ازداد المسلم ضعفًا وخوفًا, ازداد استغلال المستغلّين وتسلّط المتسلّطين, حتّى وصل المسلم في أحيانٍ كثيرةٍ إلى معصية الله سبحانه وتعالى, والاعتداء على حرماته, وتحليل ما حرّم سبحانه, وذلك بحجّة الخوف على الحياة, أو الخوف من الأذى, أو من الجوع, أو غير ذلك من هذه الحجج, فصاروا كما وصفهم تعالى,"يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً" (النساء: من الآية77) .

ب ـ ويشعرون بالعجز: إنّ شعور المسلم بالخوف, وخضوعه وطاعته لمستغلّيه, أشعره بالعجز, هذا العجز الّذي يتمثّل بإحساسه بعدم استطاعته فعل أيّ شيءٍ لتغيير حال المسلمين المزري, وإحساسه بأنّ أمّة الإسلام وما تعانيه من ضعفٍ وذلّةٍ, قد حطّ بها في قاع حفرةٍ عميقةٍ لا يمكن إخراجها منه, فنرى كثيرًا من المسلمين اليوم ينطق لسان حالهم بأن: ليس في الإمكان إلاّ ما كان, وبالتالي فليس أمام المسلمين اليوم إلاّ الخضوع والاستكانة, أو التوسّل والمداهنة, وهذا ما جعل كثيرًا منهم يبررون لأنفسهم هذا الشعور بالعجز والضعف, بل إنّ بعضهم يعتبر ضعفه أمرًا واقعًا لا مفرّ منه, ويستند في تأكيد ذلك إلى آياتٍ من القرآن الكريم, أو أحاديث لرسول الله r, وبالتأكيد يكون هذا الاستدلال ناقصًا, أومشوّهًا.

2ـ البعد عن الدين والفهم الخاطئ له:

كثيرٌ من المسلمين اليوم ابتعدوا عن دينهم وتخلّوا عنه, واستبدلوه بعاداتٍ أو قوانين جوفاء لا تفيد أحدًا, ومنهم من فهمه فهمًا خاطئًا, واكتفى منه بأداء بعض العبادات والأدعية ولم يحكّمه في حياته. ومنهم من تشدد في فهمه, فضيّق على نفسه وغيره من حيث وسّع الله عليه, لذلك نرى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت